الأربعاء, 11 آذار/مارس 2015 04:02

استعادة دور الطبقة الوسطى.. كلمة سر التنمية العربية أحمد حسين الشيمي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

استعادة دور الطبقة الوسطى.. كلمة سر التنمية العربية

مثلَّث التنمية - كما رسمه قادةُ الفكْرِ الاقتصادي الأوائلُ - عبارة عن قمة هَرَمية صغيرة (الطبقة العليا)، وقاعدةٍ عريضة، لكنها ليست الأكبرَ مِن حيث العدد (الطبقة الدنيا)، والقلب عبارة عن طبقة كبيرة من حيث العدد (الطبقة الوُسطى) تقوم بدور التنمية الحقيقة في المجتمع، وتضمن الاستقرار الاقتصادي في المدى البعيد، وتمثل عصب أي تنمية حقيقية، و"الحراك الاجتماعي social mobility" بين الطبقات هو المؤشر الحقيقي لقياس تقدم المجتمع.

 إن تأخر العالم العربي - بالصورة التي نراها اليوم - يرجع بصورة كبيرة منه إلى ضعف - وأحيانًا غياب - تلك الطبقة الوسطى المستقلة، لا سيَّما مع ابتعاد الدولة عن تقديم ودعم الخدمات الاجتماعية، وخضوعها لإملاءات الاقتصاد الحر المدعوم غربيًّا، وضعف الرقابة على عمل مؤسسات القطاع الخاص التي دائمًا ما يكون الربحُ هدَفَها الأول والأخير، لتكبِّلَ كلُّ هذه المحدَّدات أبناءَ تلك الطبقة، وتمنع تمددها وقيامها بدورها المنوط.

 تابعة ومستهلكة:

ولنا في التجارِب الغربية عبرةٌ؛ فقد لعبت الطبقةُ الوسطى الناشئة في القرن الثامنَ عشر والتاسع عشر - دورًا رائدًا في التنمية والحرية، فقد حَدَّت من فسادِ الطبقة الحاكمة، ورسَّخت ضمانات حرية الرأي والتعبير والحصول على المعلومات والشفافية ووضوح الإدارة، في ظل دساتير تحمي هذه الحقوق، وتحدد الواجبات، وهذا جوهر قوة الرأسمالية الغربية.

 إلا إن الوضع في الدول العربية مختلف تمامًا، فقد اختلط الحابل بالنابل، وأصبح أصحاب السلطة هم أصحابَ أو شركاءَ الشركات، وأصبح رجال الأعمال وزراء ونواب في المجالس النيابية، وبطبيعة الحال يرسمون خطط وزاراتهم وفق مصالح شركاتهم، وليس لصالح التنمية والتقدم، كما أن أصحاب الاستثمارات يلهثون وراء مسؤولي الحكم؛ حتى يضمنوا سندًا لهم للتحايل على القوانين، أو للحصول على مكاسب وامتيازات معينة، مقابل حصولهم على نِسَب أو أسهم محددة في رأس المال.

 لقد حولت السياسات العربية الطبقةَ الوسطى من طبقة مستقلة إلى تابعة، ومن طبقة منتجة إلى مستهلكة، وقد ساهمت سياسات القومية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بصورة كبيرة في تحطيم الطبقة الوسطى، عبر عمليات التأميم التي شهدتها العديد من الدول العربية.

 إن الحديث الآن عن الطبقة الوسطى، واستعادة دورها في إحداث التنمية المجتمعية - يتزامن مع تصريحات كبار المسؤولين العرب، التي يَعِدون فيها بإحياء دور تلك الطبقة المهمَّشة حاليًّا، وإدراجها ضمن أولويات برامج المستقبل، دون وضوح الرؤية حول ماهية الطبقة الوسطى، وحدود دورها في عملية النهوض المجتمعي والتنمية المستدامة.

 وداعًا للطبقة الوسطى:

إن شخصنة أنظمة الحكم في أغلب الدول العربية، وغياب الدوافع الحقيقية للتنمية المجتمعية - نَتج عنه ظهورُ طبقةٍ طفيلية صعدت السلم الاجتماعي بسرعة، على حساب أصحاب الطبقة المتوسطة، التي نفَضت الدولة يدها عن رعايتهم بسبب برامج الخصخصة والتكيف الهيكلي، التي لا تراعي البعد الاجتماعي، ونقص التمويل اللازم لبرامج الرعاية الاجتماعية لمحدودي الدخل، بما فيها أبناء الطبقات المتوسطة.

 إنَّ تراجع دور الدولة الاجتماعي جعل الطبقة الوسطى عُرضةً لارتفاع الأسعار والبطالة، وتدنِّي مستوى الخدمات التي يحصلون عليها، فما كان أمام عدد كبير منهم سوى الفرار إلى الخارج، أو الخنوع للأمر الواقع، ومن ثَم استشْرت قيَمُ اليأس والإحباط واللامبالاة، وضعف الانتماء الوطني.

 ففي دول الخليج، حذَّر تقرير حديث - أصدره اتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي - من أن تتحول طبقات غنية ومتوسطة بين يوم وضحاه إلى طبقات فقيرة؛ نظرًا للتراجع الحاد في أسعار الموجودات التي تقتنيها، سواء كانت أراضيَ وعقاراتٍ أو استثمارات ماليةً.

 وأوضح التقرير أن ما يجري في دول الخليج هو بروز هوَّة واسعة بين الطبقات الاجتماعية؛ نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار، وعدم قدرة الاقتصاد المحلي على إيجاد فرص عمل مناسبة، بالإضافة إلى جمود حجم الرواتب، وتدني مستوياتها، وهشاشة الأسس الاقتصادية والمالية التي تقوم عليها عملية خروج ودخول أفراد من وإلى الطبقة الوسطى.

 وفي مصر الدولة العربية الكبرى من حيث عددُ السكان، وبَعد أن بدأت الطبقة الوسطى تتنفس الصُّعداء في ثمانينيات القرن الماضي بعد هجرة أعداد كبير منها للدول الأوروبية، أو سفرهم إلى منطقة الخليج العربي، جاءت شركات توظيف الأموال، والتهمت جزءًا كبيرًا من كعكة غربتهم، ومع اتجاه معظم دول الخليج لاتباع سياسة توطين العمالة، ووضع الدول الأوروبية قيودًا هائلة على سفر العرب - وخاصةً المسلمين - إليها؛ خاصةً بعد أحداث سبتمبر 2001، ارتفعت أعداد العاطلين بعد أن تخلت الدولة عن سياسات التشغيل، وحقق الفقر معدلات هائلة.

 ولعل لغة الأرقام هي الأكثر دقةً، فقد أفاد تقرير التنمية البشرية الدولية أن 14 مليون مصري - مِن أصل ما يقرب من 78 مليون نسمة هم عدد السكان الإجمالي - يعيشون تحت خط الفقر، لتحتل مصر المركز 111 بين دول العالم الأكثر فقرًا.

 إن ارتفاع نسب الفقر بهذا الشكل مع زيادة معدلات التضخم والارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية - دمَّر التركيبة الطبقية للمجتمع المصري، وضاعت معه الطبقة الوسطى، لنرى فقط طبقتين: هما العليا وعمادها رجال الأعمال وكبار رجال الدولة البيروقراطيين، والطبقة الدنيا وهي جموع الشعب الغفيرة.

 خطوات ضرورية:

السؤال الذي يطرح نفسه حاليًّا هو: ما السبيل لاستعادة دور الطبقة الوسطى العربية؛ حتى تقوم بدورها التنموي المنشود؟

 لا بدَّ هنا من الإشارة إلى أن حديث الدول العربية عن استعادة دور الطبقة المتوسطة في هذه الأيام، ليست سبقًا عربيًّا، بل هي برامج حالية تقوم بها الدول الغربية وأمريكا؛ للحيلولة دون تأثير الأزمة المالية على أبناء هذه الطبقة، فمثلاً قرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما مؤخَّرًا خفض الضرائب المفروضة على عائلات الطبقة الوسطى والشركات الصغيرة، وهي الخطوة التي استفاد منها قرابة 95% من العائلات الأمريكية.

 ولا شكَّ في أن الطبقة الوسطى العربية أضْحت على مفترق طرق، وعليها أن تختار طريقها للمستقبل دون تأخير؛ إذ لم يعد هناك وقتٌ كافٍ للاختيار، فهناك الضغوط الغربية والأمريكية من أجل إجراء إصلاحات اقتصادية، والدخول طوعًا أو كرهًا في الاقتصاد الرأسمالي المعولم، إلى جانب التحديات الداخلية المتمثلة في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، والبطالة والفقر، والتفاوت الكبير بين الدخول والأسعار.

 إن اللافت للنظر أنه في الوقت الذي تضغط فيه المؤسسات الاقتصادية الدولية على الدول العربية من أجل إعلاء قيم السوق الحر "دعه يعمل.. دعه يمر"، وهي تعلم ما سينتج جراء تطبيق هذه الخطوات من بطالة وتضخم، يخرج إلينا مسؤولون أُمَمِيُّون، ويحذرون من أنَّ تفشِّي الفقر والبطالة يجعل من شباب المنطقة العربية هدفًا سهلاً لتنظيم القاعدة!

 وهنا تبدو الحاجة ماسةً لعدد من الخطوات العربية كي تَسترد الطبقة الوسطى عافيتها، وتستعيد دورها الريادي في التنمية والاستقرار، ولعل أهمها:

 • تبنِّي برامج وإستراتيجيات قومية، نابعة من رغبات الشعوب، وبعيدة عن إملاءات قوى الرأسمالية العالمية المتوحشة، وتوجيهات وأوامر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

 • التركيز على تنمية العنصر البشري، وربط العملية التعليمية باحتياجات السوق المحلي والدولي.

 • أن تعود الدولة إلى سابق عصرها في حماية الفئات الفقيرة، وتوفير الاحتياجات والخدمات الضرورية لها.

 • وضع برامج وآليات لضمان التوزيع العادل للدخل، والتصدي لمشكلة البيروقراطية التي تقف عائقًا أمام عملية التنمية.

 • اعتبار أزمة الطبقة الوسطى هي أزمة تنمية، وليست أزمة فئة أو شريحة اجتماعية بعينها.

 • دعم قيم الحرية والمشاركة السياسية؛ حتى يكون للشعب دورٌ كبير في صياغة السياسات والأهداف، وبالتالي تحمُّلِ مسؤولية التنمية.

المصدر الألولة الثقافية 
 

قراءة 4733 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 11 آذار/مارس 2015 04:27

84 تعليقات

  • RosettaBus   RosettaBus الثلاثاء, 19 كانون1/ديسمبر 2017 16:32   تعليق

    payday loans online
    payday loans
    payday loans
    payday loans online

  • EdwinAmima   EdwinAmima الجمعة, 15 كانون1/ديسمبر 2017 06:05   تعليق

    viagra sale in thailand
    viagra without prescription
    what do i tell my doctor to get viagra
    viagra without a doctor prescription
    where can i buy viagra locally
    viagra no prescription
    20 mg levitra viagra
    viagra no script
    buy online viagra viagra

  • KatrinaChoow   KatrinaChoow الأربعاء, 13 كانون1/ديسمبر 2017 11:03   تعليق

    payday loans online
    payday advance
    cash loans
    payday loans no credit check

  • WilliamHenly   WilliamHenly الثلاثاء, 12 كانون1/ديسمبر 2017 19:58   تعليق

    can you buy viagra over counter south africa
    viagra without prescription
    find viagra online
    viagra ohne rezept aus deutschland
    viagra online usa pharmacy

  • Marthadyday   Marthadyday الأحد, 10 كانون1/ديسمبر 2017 13:56   تعليق

    casino game
    best us casinos online
    casino online
    real money casino

  • RobertVeisp   RobertVeisp السبت, 09 كانون1/ديسمبر 2017 18:46   تعليق

    buy cialis online safely
    cialis tablets
    can i split cialis pills
    cialis tablets
    buy cialis in costa rica

  • Marthadyday   Marthadyday السبت, 09 كانون1/ديسمبر 2017 13:23   تعليق

    free slot games
    online casino
    real money casino online usa
    slot machines

  • RobertEnuff   RobertEnuff السبت, 09 كانون1/ديسمبر 2017 05:20   تعليق

    viagra where to buy over the counter
    buy viagra online
    get viagra from canada
    cheap viagra
    can you get viagra over the counter australia

  • Marthadyday   Marthadyday الجمعة, 08 كانون1/ديسمبر 2017 16:30   تعليق

    real money casino online usa
    real money casino online usa
    free online casino games
    free casino games

  • ChrisRaply   ChrisRaply الأربعاء, 06 كانون1/ديسمبر 2017 20:50   تعليق

    buy viagra dapoxetine
    best erection pills
    cialis 20mg bei frauen
    ed medications
    when will viagra prices come down

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

- (*) حقول مطلوبة يجب إدخالها .

- تعليقات القراء هي من أجل إتاحة مساحة للحوار العقلي الحر .

- سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض للأشخاص .

 - التعليقات مسئولية أصحابها أدبيا وقانونيا ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة .


©جميع حقوق الطبع محفوظة لمجلة نقد وتنوير
مجلة فكرية تربوية محكمة