السبت, 24 كانون2/يناير 2015 18:14

إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية المعاصرة- علي أسعد وطفة مميز

قيم الموضوع
(14 أصوات)

 

إشكالية الهوية والانتماء في المجتمعات العربية المعاصرة:

هل يتراجع الولاء الوطني والقومي أمام النزعات الطائفية والقبلية!!!؟

بقلم : علي أسعد وطفة 

مقدمة

يعاني الإنسان العربي المعاصر أزمة هوية وانتماء تتصف بطابعي العمق والشمول. وتعود هذه الأزمة إلى وجود الإنسان العربي في ظل كيانات اجتماعية متعددة ومتعارضة، تبدأ بالقبيلة والطائفة حينا وتنتهي بالدين وبالقومية أحيانا. فالوطن العربي كما تعلن إحدى الدراسات العربية " كيان مركب معقد، تتداخل فيه عناصر الولاءات المحلية بالولاءات الوطنية، ولا تتطابق فيه حدود الجغرافيا مع حدود المشاعر، ولا حدود السياسة مع حدود الأمة" ([1]). وبالتالي فإن تعددية الانتماء وتناقضاته تؤدي إلى حالة من الانشطار في الهوية الاجتماعية ، وإلى حالة من التمزق الوجداني الداخلي  عند الإنسان العربي ، الذي تتخطفه ، وفي الآن الواحد ، مشاعر انتماء اجتماعية متعارضة ومتنافرة في مختلف المستويات والاتجاهات.

إن تنامي مشاعر الانتماء الطائفي والقبلي أدى إلى ولادة موجة عارمة من مشاعر الولاء والتعصب بمستوياته المختلفة، فأغلب المجتمعات العربية تعيش تحت تأثير موجة من القيم التعصبية والتمييز الطائفي والإقليمي والعشائري والعرقي، الذي ينخر عظام الوجود الثقافي في الحياة العربية المعاصرة. وفي غمرة هذا النمو الكبير لهذه الولاءات الضيقة بدأ الإنسان العربي المعاصر يتعرض لكل أشكال الاضطهاد والتمييز والتسلط، ويعاني مختلف ألوان التعصب والقهر، حيث بدأت قيم التسامح تسجل غيابا كاملا وتترك مكانها لقيم التعصب الطائفي حينا والعشائري أحيانا.

فإشكالية الهوية والانتماء تطرح نفسها بين القضايا الساخنة في المجتمع العربي المعاصر. وتتداخل حدود هذه المسألة مع منظومة القضايا الفكرية والاجتماعية الحيوية في المجتمعات العربية. وتبدأ هذه الإشكالية بأسئلة قديمة متجددة حول أولوية الهوية والانتماء: هل نحن عرب أم مسلمون ؟ هل نحن أبناء الوطن أم أبناء العشيرة ؟ هل نحن أبناء الطائفة أم أبناء الدين ؟ وعلى الرغم من البساطة التي تأخذها صيغة هذه الأسئلة، فإن الإجابة عنها بوضوح يمكن أن تؤسس لرؤية سوسيولوجية بالغة الأهمية والخصوصية في المجتمع، كما أنه يمكنها أن تقدم صورة موضوعية لصورة الهوية التي يحتكم إليها الوجود الاجتماعي والسياسي في المجتمعات العربية. ويتأسس على هذا أيضا أن الصورة الواضحة لمعالم الهوية الاجتماعية يمكنها أن تلقي الضوء على جوانب أخرى هامة في مستوى الحياة الاجتماعية والسياسية في المجتمع العربي المعاصر.

في مفهوم الانتماء :

يمتلك مفهوم الانتماء طاقة علمية كاشفة في مستوى الحياة الاجتماعية برمتها حيث تتعدى طاقته الكشفية هذه حدود السياسة والدين إلى مختلف التخوم الاجتماعي التي تحيط بالوجود الإنساني. يقول مجدي أبو زيد مؤكدا أهمية هذه القدرة الكشفية والتحليلية لمفهوم الانتماء " يعد الانتماء محورا مفصليا يكشف الكثير عن الآلية النفسية التي تتحكم في علائقية المجتمع بأفراده، وما زال الكثيرون ينظرون إلى الانتماء على أنه يخص الجانب السياسي وتجلياته في حين أن يتجذر في كافة الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية "([2]).

فالانتماء يؤكد حضور مجموعة متكاملة من الأفكار والقيم والأعراف والتقاليد التي تتغلغل في أعماق الفرد فيحيا بها وتحيا به، حتى تتحول إلى وجود غير محسوس، كأنه الهواء يتنفسه وهو لا يراه[3]. ويشكل الانتماء جذر الهوية الاجتماعية وعصب الكينونة الاجتماعية. فالانتماء هو إجابة عن سؤال الهوية في صيغة من نحن ؟ والانتماء أيضا هو صورة الوضعية التي يأخذها الإنسان إزاء جماعة أو عقيدة، كما أنه يشكل مجموعة الروابط التي تشد الفرد إلى جماعة أو عقيدة أو فلسفة معينة، وقد يأخذ صورة شبكة من المشاعر، ومنظومة من الأحاسيس التي تربط بين الفرد والمجتمع، وهذا بدوره يؤسس أيضا لمجموعة من العلاقات الموضوعية التي تتجاوز حدود المشاعر إلى منظومة من الفعاليات والنشاطات التي يتبادلها الفرد مع موضوع انتمائه. فالفرد في القبيلة يشكل صورة مطابقة لصورتها إذ يحمل روحها ويجسد معانيها ويستلهم عاداتها وتقاليدها، إنه صورة مصغرة لقبيلته بكل ما تنطوي عليه من معاني ومشاعر وقيم وعادات. وهذا يعني أنه يطابقها ويعبر عنها،وتلك هي صورة الهوية لأن مفهوم الهوية يعني المطابقة بين شيئين في نسق وحدة واحدة.

ومع أن مفهـوم الانتماء الاجتماعي يعاني من التعقيد والغموض، فإنه يعد منأكثر المفاهيم تداولا في الأدبيات السوسيولوجية والتربوية المعاصرة. ويميلالبـاحثون، فـي مجـال علـم الاجتماع الـتربوي، إلى تحديد الانتماءالاجتماعيللفـرد وفقـا لمعيـارين أساسين متكاملين هما : العامل الثقافي الذاتي الذي يأخذ صورة الولاء لجماعة معينة أو عقيدة محددة، ثم العامل الموضوعي الذي يتمثل في معطيات الواقع الاجتماعي الذي يحيط بالفرد أي الانتماء الفعلي للفرد أو الجماعة. فالولاء وهو الجانب الذاتي في مسألة الانتماء يعبر عن أقصى حدود المشاركة الوجدانية والشعورية بين الفرد وجماعة الانتماء فالولاء حالة " دمج بين الذات الفردية في ذات أوسع منها، وأشمل، ليصبح الفرد بهذا الدمج جزءا من أسرة أو من جماعة، أو من أمة، أو من الإنسانية جمعاء"([4]).

فقد ينتمي الفرد بالضرورة إلى قبيلة ولكنه لا يشعر بالولاء لها، وعلى خلاف ذلك فقد لا ينتمي المرء إلى قبيلة محددة ولكنه قد يكون قبليا بمفاهيمه وتصوراته. فالانتماء الفعلي يفرض نفسه ويتجاوز حدود وأبعاد العامل الذاتي وذلك كله مع اعتبار إمكانية التطابق بين العنصرين، فقد يكون المرء عربيا ومؤمنا بعروبته، أو مسلما مؤمنا بإسلامه في الآن الواحد، وهذه هي حالة التطابق بين الانتماء والولاء. وإذا كان الفصل بين هذين العاملين يعود إلىاعتباراتمنهجيةسوسيولوجية ضرورية، لتحليل ودراسة الانتماء الاجتماعي للأفراد، فإنالبـاحثينيدركـون بعمـقمـدى التأثير المتبادل القائمبين العاملين فيتحديدهوية الانتماء الاجتماعي للفرد. فالانتماء هو شعور الفرد بالارتباط بالجماعة وميله إلى تمثل أهدافها والفخر بحقيقة أن الفرد جزء منها، والإشارة الدائمة إلي الانتماء ولا سيما في لحظات الخطر"( 3 ).

وفي هذا السياق يمكن التمييز أيضا بين الانتماء وشعور الانتماء، فالانتماء هو حالة موضوعية يفرضها واقع الحال كأن ينتمي الإنسان إلى قومية معينة كالقومية العربية فمن يتكلم العربية ويعيش على أرض العرب هو عربي بالضرورة ولا يمكنه الخروج من دائرة هذه الهوية. أما شعور الانتماء فقد يتطابق مع البعد الموضوعي لانتماء وقد يخالفه أو يتناقض معه فالعربي الذي يتكلم العربية ويعيش على أرض العرب قد تأخذه مشاعر الانتماء إلى العروبة حبا وافتداء واقتداء وعلى خلاف ذلك قد تغيب لديه هذه المشاعر وتضعف لديه روابط العروبة وأحاسيسها فتحدث المفارقة بين واقع الانتماء ومشاعره.

وإذا كان الواقع الموضوعي يفرض على الإنسان مجموعة من الانتماءات فإن هذه الانتماءات تأخذ نسقا تتكامل فيها أو قد تتعارض. فنسق الانتماء يعني الوضعية التي يأخذها الإنسان إزاء وضعيات انتماءات متعددة، والتي تأخذ سلما ترتسم على مدرجاته اتجاهات الانتماء المختلفة. فالإنسان محكوم بعدد من الانتماءات التي قد تتعارض أحيانا وتتناسق أحيانا أخرى. فالإنسان العربي اليوم تتخطفه مجموعة من مشاعر الانتماء كالعروبة والإسلام والقبيلة والطائفة والوطن، وإزاء هذه التعددية قد يقع في صراع الهوية والانتماء، لأن بعض هذه الانتماءات يعارض بعضها الآخر كالتعارض بين انتماء القبيلة وانتماء الوطن. ومن هذه الزاوية يتحدث زكي نجيب محمود عن نسق الانتماء في صورة متكاملة تبدأ بالوطن وتنتهي بالإسلام حيث يعلن بأنه مصري، عربي، مسلم، ثم لا يهمه بعد ذلك أن تضاف إلى هذه الأبعاد الثلاثة أبعاد أخرى كالانتماء الأفريقي وغيره. ([5]). وتأسيسا على مفهوم نسق الانتماء زكي نجيب محمود بين العروبة والإسلام " فالمصري مصيب إذا قال أنه ينتمي إلى العروبة وإلى الإسلام معا (…) لأنه عربي بمعنى أنه يتجانس مع سائر العرب في نمط ثقافي واحد متعدد الجوانب والفروع. أما المصري المسلم فهو ينتمي إلى الأمة الإسلامية بجانب واحد وهو جانب العقيدة، وليس بالضرورة إن تكون بقية جوانب الحياة الثقافية مشتركة بين المصري والباكستاني والإندونيسي من المسلمين غير العرب([6]).

وانطلاقا من هذه الإشكالية فإن درجة الشعور بالانتماء قد تأخذ مسارات متباينة حيث تتباين درجات شدتها بين شخص وآخر. وهذا يعني أنه يمكن تحديد سلم انتماء كل فرد وفقا لأولوية انتماءاته. فقد يشعر الإنسان بعروبته أولا ودينه ثانيا وقبيلته ثالثا وطائفته رابعا ووطنه في الدرجة الخامسة. وهنا يمكن القول بأن سلم الانتماء قد يتحدد ويتشكل في بوتقة من الظروف والفعاليات الإنسانية والاجتماعية التي تحدد للشخص انتماءاته ونسق أولويات المشاعر الخاصة بهويته. ومن هنا يمكن التمييز بين موضوعية الانتماء وصورته الذاتية التي تتعلق بمشاعر الانتماء الذاتية.

لقد شكلت قضية أولويات الانتماء واحدة من القضايا التي عالجها زكي نجيب محمود بعمق واهتمام كبير حيث يرى أن نسق الانتماء لا يتكامل مع نسق الأهمية، حيث يقول "فربما كانت العقيدة الإسلامية من حيث الأهمية أهم جوانب حياته، لكن انتمائي لأسرتي ولقريتي ولوطني وللعروبة وللإنسانية جمعاء يجيء فيه ترتيب الدرجات على أساس آخر غير أساس الأهمية، وقد يكون هذا الأساس هو المشاركة الوجدانية، فهذه المشاركة الوجدانية بيني وبين مسلم الصين أو روسيا، دون أن يغير هذا الموقف الوجداني من حقيقة كون إسلامي أهم جانب من جوانب حياتي"([7]).

بين الهوية والانتماء :

يتشاكل مفهوما الهوية والانتماء في تقاطعات عدة تطرح نفسها منذ زمن بعيد على بساط البحث العلمي. إذ غالبا ما يستخدم أحدهما في مكان الآخر في الأدبيات الاجتماعية المعاصرة. وإذا كان كل مفهوم من هذين المفهومين يطرح إشكالية بمفردة فإن الإشكالية التي يطرحها التداخل بينهما يتجلى بقوة.

يعلن كثير من المفكرين عن صعوبة في تعريف الهوية Identity، وليس غريبا أن يعلن كوتلوب فريك Gottlob Fregبأن الهوية مفهوم لا يقبل التعريف وذلك لأن كل تعريف هو هوية بحد ذاته. فالهوية مفهوم أنطولوجي وجودي يمتلك خاصية سحرية تؤهله للظهور في مختلف المقولات المعرفية، وهو يتمتع بدرجة عالية من العمومية والتجريد تفوق مختلف المفاهيم الأخرى المجانسة والمقابلة له. ومع ذلك كله وعلى الرغم من الغموض الذي يلف مفهوم الهوية ويحيط به يمتلك هذا المفهوم طاقة كشفية لفهم العالم بما يشتمل عليه من كينونات الأنا والآخر.

" لقد فرضت كلمة الهوية نفسها كمصطلح فلسفي يدل على ما به يكون الشيء نفسه " وهذا يعني أن معنى الهوية في الاصطلاح الفلسفي العربي قد استقر ليدل على ما به الشيء هو هو بوصفه وجودا منفردا متميزا عن غيره([8]). وتستعمل كلمة هوية في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى identité - Identityالتي تعبر عن خاصية مطابقة الشيء لنفسه أو الاشتراك مع شيء آخر بالصفات والخصائص عينها.

يعرف المفكر الفرنسي إليكس ميكشللي الهوية بأنها : منظومة متكاملة من المعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي وتتميز بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية التي تنطويعلى خاصة الإحساس بالهوية والشعور بها. فالهوية هي وحدة من المشاعر الداخلية التي تتمثل في الشعور بالاستمرارية والتمايز والديمومة والجهد المركزي. وهذا يعني بأن الهوية هي وحدة من العناصر المادية والنفسية المتكاملة التي تجعل الشخص يتمايز عما سواه ويشعر ووحدته الذاتية ([9]). ومن أجل تحديد ظلال التمايز بين مفهومي الانتماء والهوية يمكن أن نسجل ثلاثة عناصر من عناصر التباين بينهما.

  1.يتميز مفهوم الهوية بطابع الشمولية ويشكل الانتماء عنصرا من عناصر الهوية فالهوية تتكون من شبكة من الانتماءات والمعايير كما وضحنا في تعريف المفهوم.

  2.يأخذ مفهوم الهوية طابعا سيكولوجيا وفلسفيا بالدرجة الأولى حيث يوظف بشكل واسع في مجال الفلسفة ويشكل مبدأ الهوية واحدا من أقدم المبادئ الفلسفية وقوامه أ = أ أي أن الشي هو نفسه. وعلى خلاف ذلك يأخذ مفهوم الانتماء طابعا سوسيولوجيا ويوظف غالبا في مجال الأدب والسياسة وعلم الاجتماع.

  3.مفهوم الهوية مفهوم شامل يوظف للدلالة على ظواهر مادية غير إنسانية بينما ينفرد مفهوم الانتماء بالدلالة على الظاهرة الإنسانية دون غيرها من الظواهر.

إن الهوية كيان يجمع بين انتماءات متكاملة وهوية المجتمع تمنح أفراده مشاعر الأمن والاستقرار والطمأنينة. فالهوية القومية تمنح أبناء الأمة الشعور بالثقة والأمن والاستقرار. وفي الوقت الذي يكون فيه المجتمع متعددا بانتماءات وفئات وجماعات عرقية أو دينية أو سياسية أو اجتماعية، فغنه يتوجب على السياسيين العمل على دمج هذه الانتماءات المتنوعة من أجل الوصول إلى هوية مشتركة تمثل مصالح الجماعة بانتماءاتها الطبيعية المختلفة. " فالهوية المشتركة أو محاولة تحقيق الاندماج الاجتماعي ليس بضرورة إزالة الانتماءات الفرعية بقدر ما تعني ضمان عدم تضارب بين الهوية المشتركة والهوية الفردية، بناء على هذه المعادلة تصبح السلطة هي القادرة على منح الهوية المشتركة وذلك من خلال مؤسساتها المختلفة وتصبح بذلك الهوية الفردية جزءا من الهوية المشتركة"([10]). وهذا يعني أن " التباين ضروري حتى يمكن للهوية أن تكون هي أول معنى للوجود، والتباين ضروري ومساهم في انفتاح الآخرين وتكاملهم ([11]). ولكن هذا التباين يحتاج إلى الروح الديمقراطية التي يمكنها أن تحقق التلاحم الوجودي بين مختلف التكوينات الاجتماعية الصغرى في ظل البناء القومي أو الوطني الكبير.

في مفهومي القبيلة والطائفية :

القبيلة تكوين اجتماعي يقوم على روابط الدم والقرابة وروابط العادات والتقاليد المتوارثة، ويعد الانتماء القبلي وحدة التنظيم الأساسية في المجتمعات العربية التقليدية. وهي بالتعريف " جماعة تربط أعضاءها صلات الدم والقرابة ونمط الإنتاج والتوزيع، والاستهلاك، وأسلوب المعيشة، والقيم، ومعايير السلوك المشتركة وهيكل السلطة الداخلية"([12]).

 اما الطائفة فهي تكوين اجتماعي ديني يقوم على نمط محدد للممارسة الدينية. إنها وجود اجتماعي يقوم على أساس الانتماء لدين أو مذهب أو ملة معينة. ويعرفها ناصيف نصار بأنها " جماعة من الناس يمارسون متقدا دينيا بوسائل وطرق وفنون معينة ". إنها تجمع ديني ولكنها تكتسب مع الوقت طابعا اجتماعيا وسياسيا ([13]). والدين حالة عقائدية تتميز بطابع الشمول فالدين يشمل عدد كبير من الطوائف الدينية. فالدين الإسلامي يشمل طوائف عديدة وهذا هو حال الدين المسيحي والأديان الأخرى.

وهنا يتوجب علينا أن نميز بدقة بين مفهوم الطائفة والطائفية كما بين القبيلة والقبلية. فالطائفة والقبيلة مفهومان يطابقان كينونة اجتماعية تتميز بحضورها الاجتماعي وتؤدي أدوارا ووظائف اجتماعية سابقة لتكوينات الدولة الحديثة. أم الطائفية فهي نزعة تعصبية تجعل الفرد يقدم ولاءه الكلي أو الجزئي للقيم والتصورات الطائفية وكذلك هو الحال فيما يتعلق بمفهوم القبلية فالقبلية هي نزعة تعصبية أيضا تتمثل في منظومة من القيم والمعايير التي تعبر عن ولاء الفرد لقبيلته في عصر الدولة الحديثة.

إذا "علينا أن نفرق القبيلة والقبلية، في البداية إن أغلبنا قبليّون في تفكيرنا ولكن ليس بالضرورة أن يكون أغلبنا من القبائل. القبلية عقلية وسلوك طبعت مجتمعنا عبر آلاف السنين ولا تزال، وهي في الأساس مبدأ تنظيمي يحدد الأطر العامة للعضوية في الجماعة، وهي رابطة موحدة الغرض مبنية على التحالف بقدر ما هي مبنية على النسب والقرابة وتمثل عقلية عامة مستمدة من الانتماءات والولاءات المنغرسة في وجدان الجماعة، وإن نزعتها نحو إثارة قبليتها هو تعبير عن هويتها" ([14]).

وهنا يجب أن نميز بين مشروعية هذه الولاءات في سياقها الزمني. ففي الوقت الذي يكون فيه الولاء للقبيلة والطائفة مشروعا في غياب الدولة الحديثة ولا سيما في مراحل تاريخية سابقة لنشوء الدولة والمدنية فإن هذا الولاء يفقد هذه المشروعية مع التكوينات المدنية الاجتماعية الحديثة حيث تفقد التنظيمات الاجتماعية التقليدية دورها ووظيفتها وتتخلى عنها للدولة أو للمجتمع المدني. وهذا يعني أن الولاء للقبيلة والعشيرة والطائفة في ظل المجتمع المدني يشكل حالة عارية من التعصب الخالص الذي يفقد مبررات وجوده التاريخي. وتلك هي الحالة التي يجمع المفكرون على أنها حالة مدمرة للمجتمع ووجدته. والمهم في هذا السياق كما يقول سعد الدين ابراهيم " المهم ألا يتحول الاعتزاز بالقبلية إلى قبلية، والاعتزاز بالطائفة إلى طائفية "([15]).

واقع الكيانات الاجتماعية الصغرى ومشروعيتها :

تتعايش في مجتمعاتنا العربية بنى اجتماعية متنوعة تمثل كل منها مرحلة تاريخية من مراحل تطور المجتمعات الإنسانية فهناك البنى الاجتماعية العشائرية والقبيلة والطائفية والدينية التي تعيش جنبا إلى جنب في قلب الدولة القطرية وعلى حسابها. وتستقطب كل بنية من هذه مشاعر الولاء الاجتماعي وفقا لدرجة أهميتها وحضورها في دائرة الحياة الاجتماعية. وتجد هذه الرؤية مشروعيتها عند هشام شرابي الذي لا ينفك يؤكد في كل مناسبة على الخصائص الأبوية البطرياركية للمجتمع العربي الذي يتسم ببنية داخلية لا تزال تقوم على علاقات القرابة والعشيرة والفئة الدينية والإثنية " ([16]). ويبرر بعض الكتاب العرب حضور هذه الصيغ الاجتماعية الضيقة في المجتمع العربي ولا سيما ظاهرة الحضور الكبير للقبيلة في الحياة الاجتماعية العربية " بأن المنطقة العربية تتميز عن غيرها من مناطق العالم بكونها أعظم امتداد صحراوي على وجه الكرة الأرضية وهذا معناه أنها أكبر منبع للبداوة في العالم ([17]). ومع تحفظنا الشديد حول هذا الرأي إلا أنه لا يمكن لنا أن ننكر دور البيئة في تشكل وتحديد صيغ الوجود الاجتماعي مع أن استمرار القبيلة ووجودها قائم في كثير من المناطق التي لا تحمل طابعا صحراويا في العالم.

فالمجتمع العربي يتكون حقيقة من عدد من الجماعات المتمايزة والمختلفة الانتماء ولا سيما جماعات القبيلة أو الطائفة ولقد استطاعت هذه الجماعات المتمايزة بشكل أو بآخر أن تحافظ على هوياتها الخاصة متحاشية الانصهار في بوتقة واحدة داخل المجتمع([18]). وهذا يعني أن هذه البنى ما زالت تعاني من التصلب والجمود الذي يقهر إمكانيات تشكل المجتمع في صورة عصرية وحضارية.

وهذا التصلب والجمود في التكوينات الاجتماعية القائمة في المجتمعات العربية الذي يشل حركتها ويستلب قدرتها على التطور في نسق حضاري يخضع لتحليل جورج قرم في كتابه " جيوبوليتكيا الأقليات في المشرق العربي حيث يصل إلى التأكيد على أهمية التنوع الاجتماعي في المجتمعات العربية وهو بالتالي يرى " أن المجتمع العصري يتألف من شرائح وفئات مختلفة ترتبط في منظومة حضرية معقدة وفاعلة من المصالح والأهداف والالتزامات والمسؤوليات التي تتباين درجات انسجامها وتناقضها" ([19]). ولكن تحقيق الانسجام والتكامل بين هذه الأنساق الاجتماعية المختلفة مرهون وإلى حد كبير بمدى النقلة الحضارية للمجتمعات المعنية. وهذا يعني أن التعدد في المجتمعات الشمولية غير الديمقراطية يتبلور في صيغة تراجيدية ومأساوية تتمثل في التعصب والصراع. أما التعددية في المجتمعات الديمقراطية فهي معادلة هامة في تحضر هذه المجتمعات وفي تحقيق نهضتها الحضارية وهذا يعني أن الديمقراطية هي إسمنت الوحدة الوطنية وحصنها الحصين.

وفي هذا السياق يبين أحمد شكر الصبيحي في دراسة هامة أجراها حديثا حول مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي أن البنية الاجتماعية العربية تقوم على أساس علاقات القرابة والدم حيث يقول " إن العلاقات المسيطرة هي علاقات القرابة والأهل والمحلة والمذهب والطائفة والعشيرة (…) إنها علاقات طبيعية، عضوية جمعية، قسرية، علاقات مرتكزة على روابط الدم"([20]).

إن حضور الولاءات الاجتماعية الضيقة ( طائفية وعشائرية وقبلية ) لا يأتي اعتباطا بل يعبر عن وضعية تاريخية مشروعة حيث تلبي هذه البنى وظائف اجتماعية وسياسية هامة تتمثل في تأمين الحماية والأمن والهوية لأفرادها في ظل مجتمعات لم تتبلور فيها البنى السياسية الاجتماعية المعاصرة على نحو متكامل ولا سيما بنية الدولة العصرية أو الأمة.

وتأسيسا على ذلك فإن الناس في المجتمعات الديمقراطية يتجاوزون حدود انتماءاتهم وعشائرهم إلى بناء مجتمع الدولة الذي ينتمون إليه ويرفعون له مشاعر الولاء. وهذا يعني أن الديمقراطية تشكل ملح الوحدة الوطنية ومنطلق العيش الحضاري المتكامل بين مختلف الكيانات الاجتماعية. وتجد هذه الرؤية صورتها الواضح في تحليل قيس النوري الذي يؤكد على دور الديمقراطية  في مجتمع التعددية وعلى قدرتها الكبيرة في تحقيق التواصل والتكامل بنيويا ووظيفيا. فالمجتمعات التي تتنوع تكويناتها الاجتماعية تقتضي ديمقراطية ناضجة يمكنها أن تعنى بالتعدد الثقافي وما يقترن به من تنوعات اجتماعية وفكرية. " وعلى هذا تصبح التعددية عامل تحفيز حضاري يدفع المجتمع إلى أمام ويسهم في رفد تقدمه ونمائه. لكن انتشار هذه الرؤيا الحضارية والإنسانية المنفتحة للتعددية الثقافية والاجتماعية بين الناس يعتمد على صيرورتهم الثقافية والنفسية المطلوبة لتحريرهم من الأطر العشائرية المتعارضة مع التوجه الوطني غير المجزئ : فالتحدي الحقيقي الرئيس أمام الديمقراطية هو أن يصبح اختلاف (الآخر) مألوفا ومقبولا بعد أن ظل غريبا ومريبا".([21])

وما يؤسف أن الدولة الحديثة في الوطن العربي لم تستطع أن تبدد هذه الانتماءات العشائرية أو أن تكامل بينها عبر نقلة ديمقراطية حقيقية، وبقيت هذه الدولة في كثير من بقاع الوطن العربي دولة عشائرية أو طائفية تستمد نسغ وجودها من التكوينات الصغرى القائمة في المجتمع وتعتمدها في الهيمنة على السلطة والمجتمع. على هذا الأساس يمكن القول بأن وجود البنى الطائفية والعشائرية يستند إلى غياب الديمقراطية بمختلف تجلياتها في المجتمعات العربية، فالديمقراطية يمكنها أن تؤسس لدولة عصرية تضمن لجميع أفرادها الحق في الوطن والمواطنة على حد سواء وهذا بدوره يشكل المنطلق المنهجي لتغييب مختلف أشكال الولاءات الطائفية والعشائرية الضيقة في المجتمع.

وتأسيسا على ذلك يؤكد الباحثون غالبا أهمية الدور الاجتماعي والسياسي الذي تقوم به الوحدات الاجتماعية الطائفية والقبلية في المجتمع العربي ولا سيما في غياب الديمقراطية الحقيقية للأنظمة السياسية القائمة. ويلاحظ الباحثون أيضا أن الولاء للطائفة والقبيلة يكون على أشده في بعض البلدان العربية التي تسودها الثقافة التقليدية. ويلاحظ بعضهم أن ولاء الأفراد للقبيلة قد يكون أشد من ولائهم للدولة ولا سيما عندما تكون الدولة غير قادرة على ضمان حقوق الأفراد وتأمين حمايتهم.

يقول أحمد شكر الصبيحي " لقد شكلت العشائرية والقبلية ولا تزال في عدد من الأقطار العربية، الوحدات الاجتماعية الجوهرية في الوطن العربي. وكان طابع الولاء السياسي لقرون وراثيا في القبيلة والقرية بتركيز السلطة في شيخ العشيرة أو رئيس لقبيلة " ([22]). " إن الولاءات القبلية – العشائرية العائلية هي من أكثر الولاءات التقليدية رسوخا وتأثيرا في مجمل الحياة العربية المعاصرة. ففي اليمن أصبحت القبيلة نظاما متكاملا له قوانينه وتقاليده وله نظام انتخابي ونظام توزيع للأعمال بين فئاته، كما أن له نظاما تعاونيا وتحديدا دقيقا للحقوق والواجبات "([23]).

إن ظهور الولاءات الطائفية والانتماءات الضيقة ليس بالقدر الذي لا يرد بل إن تشكل هذه الولاءات والنزعات يأتي انعكاسا وتجسيدا لشروط تاريخية سياسية واجتماعية واقتصادية. وبالتالي فإن إمكانية تغيير هذه الشروط تبقى قائمة لصالح ثقافة عربية أصيلة وشاملة ([24]). إن غالبية سكان الوطن العربي عرب مسلمون لكن الواقع الاجتماعي الراهن أحالهم إلى طوائف فتوزعوا إلى ملل ونحل وطوائف وقبائل يتعارض الولاء لها مع الولاء الديني والوطني ومع الولاء القومي ([25]).

تراجع مشاعر الانتماء القومي والولاء للوطن :

يراهن عدد كبير من المثقفين العرب على تصدع المشاعر القومية وتآكل حماسة الجماهير العربية المعهودة للقيم والطموحات القومية، وتبنى هذه الفرضية على خلفية الإخفاق الكبير الذي منيت به القوى السياسية القومية في الوطن العربي، وذلك بعد وصولها إلى السلطة منذ بداية النصف الثاني للقرن العشرين. فالأنظمة العربية القائمة التي رفعت الشعارات القومية، ووصلت إلى السلطة على عجلات الدفع القومي، وعلى خلاف ما هو مطلوب منها، عززت واقع التجزئة والقطرية بين البلدان العربية وأخفقت في مختلف مجالات النشاط السياسي القومي والاجتماعي والإنساني([26]).وكان لذلك وقع مأساوي في نفوس الجماهير العربية التي بدأت تبحث عن قوى سياسية جديدة يمكنها أن تكون أكثر مصداقية في النضال من أجل تحقيق الطموحات الاجتماعية والقومية، وبدأت تتوجس خيفة من دعاة الفكر القومي العربي ومن قواه السياسية القائمة على سدة الحكم أو هذه التي تناضل من أجل الحقيقية القومية.

ويضاف إلى هذا القهر القومي ثقل الأحداث الدامية التي تمثلت في الهزيمة العربية الشاملة بدءا من الانفصال المأساة بين مصر وسوريا عام 1963، وفي الحرب العراقية الإيرانية، وفي مأساة الغزو العراقي للكويت، وفي تخاذل الأنظمة العربية الدائم إزاء القضايا القومية والوطنية في مختلف الأصعدة والأزمنة. وإزاء هذه الحقائق بدأ كثير من المفكرين والكتاب يؤكد على تراجع المشاعر القومية الكبير عند الناشئة العربية التي عاشت في أجواء النزعات الإقليمية الضيقة ورضعت حليب الإحساس القطري والمشاعر والولاءات الضيقة المحدودة([27]). لقد أدت هذه التحولات والانتكاسات إلى اهتزاز مشاعر الانتماء القومية والوطنية وجاءت لتبدد كثيرا من أحلام الانتماء العربي في ظل تنامي النزعات الكياينة القطرية الصغرى ولا سيما في جوانب الحياة الثقافية والاجتماعية.

لقد شكلت التحولات السياسية والاجتماعية منطلق التحولات القيمية والاجتماعية الحادثة، فالتغير الاجتماعي وفقا لأبسط القانونيات الاجتماعية ينعكس في صورة تغيرات قيمية تتناسب مع طبيعة ومستوى ومنطق التغيرات الحاصلة. وإذا كانت المنطقة العربية شهدت وتشهد تحولات سياسية واجتماعية عميقة كما بينا سابقا فان السؤال السوسيولوجي الذي يطرح نفسه هو كيف تنعكس هذه تنعكس هذه التغيرات في منظومة القيم السياسية والاجتماعية السائدة ؟ والسؤال الأهم هل بدأت هذه المشاعر القومية تتلاشى وتتبدد تحت صدمة المعاناة الوجودية للشعوب العربية؟

يصف خلدون النقيب ويحلل مضامينها السوسيولوجية في دراسة له حول الثورة الصامتة حيث يقول :" أن الجيل الذي يعيش في ظل هذه الثورة الصامتة ( التغيرات القيمية في المجتمع ) يخضع إلى تأثيرات متناقضة، فهذا الجيل يملك مهارات أفضل للتعامل مع السياسة والقضايا العامة ولكنه جيل تشكل وعيه وتلونه وسائل الأعلام أو الميديا([28]). هذا الجيل تجاوز دروس الأسد والثعلب (…) هو جيل الأبطال الإلكترونيين وسلاحف النينجا ومدرسة المشاغبين، وهذا الجيل أحسن تعليما وأوسع أفقا، ولكنه فقد الثقة في الدولة القومية المبنية علي فكرة الأمة ذات الخصائص المشتركة، ولذلك فهو يوظف تعليمه في إذكاء النعرات القبلية والطائفية تلك هي الجماعات التي يحس في كنفها بالأمانة بعلاقاتها الوشائجية ( من حيث أن الوشيجة هي الصلة الرحم العميقة الجذور في اللاوعي الجمعي)([29]). ومن المظاهر المتناقضة اللافتة للنظر هذه الاستكانة إلي العلاقات الوشائجية والتبعية لشيخ القبيلة (…) في الوقت الذي تتملك هذا الجيل نزعه التحدي للنخبة المهيمنة والحاكمة، والتمرد يأخذ شكل التطرف الديني أو الرقص في الديسكو، الغضب من اختلاس المال العام مع معرفة أن الاختلاس هو الطريقة الوحيدة للثروة بسرعة بدون جهد أو تعب"([30]).

وفي المستوى الاجتماعي بدأت الشعوب العربية تعاني إضافة إلى اغترابها القومي اندفاعات تحديات اجتماعية تتعلق بالفقر والبطالة والجريمة والإرهاب والأمية والتصحر وقهر المرأة وغياب الديمقراطية وانخفاض مستوى الحياة الاجتماعية وشهدت هذه الشعوب انحسارا كبيرا في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية.

لقد بدا واضحا جدا، وذلك في العقد الأخير من الزمن، وعبر تجارب سقوط الدول الاشتراكية أن القيم السياسية ذات الطابع الرسمي والأيديولوجي، قد انهارت بين عشية وضحاها، وتبين أن بعض القيم المضمرة استطاعت أن تنفلت من عقالها وأن تظهر بقوة لتشكل منطلق السلوك والفعل السياسي والاجتماعي في كثرة كاسرة من الدول الاشتراكية سابقا. ففي الاتحاد السوفيتي، وعلى حين غرة، هزمت القيم السياسية والاجتماعية التي كانت تحتل مكان الصدارة في سلم القيم: الاشتراكية، الأممية، الحزبية العمالية وسقطت. وتبين لاحقا نهوض القيم القومية المناهضة للأممية، والعرقية المناهضة للبعد الإنساني، والليبرالية والاقتصاد الحر بديلا لمفهوم الاشتراكية. وهذه القيم كانت كامنة في عمق اللاشعور الاجتماعي، فبدأت الحروب ذات الطابع الإقليمي والطائفي والقومي لتتبدد أسطورة الوجود الاشتراكي في العالم. فالقيم تضرب جذورها عميقا في الثقافة وليس من السهل دائما تبديد القيم والقناعات القديمة وغرس القيم الجديدة. فالعقل ينطوي على قناعات وقيم، وإن بناء القناعات القيمية عملية ثقافية اجتماعية شاقة وبعيدة المدى. فهناك قيم كامنة قد تتجاوز في بعض جوانبها حدود ما هو قائم وسائد وقد يرتد بعضها إلى مواقع السلبية والجمود والقصور وليس للقيم السلبية أن تكون فاعلة دائما ولكنها قد تنتهز فرصة الخلل الاجتماعي لتطرح نفسها بقوة وعندها تبدأ الكارثة الاجتماعية ويحيق الخطر بالحياة الاجتماعية في اجمل جوانبها أرقى تجلياتها. لقد لاحظ دوركهايم إبان التغيرات الكبرى، ولا سيما انتقال المجتمعات الأوروبية من مرحلة الإنتاج الزراعي إلى مرحلة التصنيع وجود مجتمعات أطلق عليها اصطلاح Anomieأي مجتمعات من غير قيم. وقد لاحظ أيضا أن أحد أنواع الانتحار ينتشر في المجتمعات التي تمر بمرحلة تتغير فيها القيم فيصبح الأفراد منذ موزعين بين نوعين مختلفين من القيم مما يؤذي بعضهم إلى حالة لا يتمسكون فيها بأي نوع من القيم([31]).

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى ما يطرحه صادق جلال العظم حول الأهمية الصارخة لسلم الأولويات وذلك حين يقارن بين هزيمة العرب عام 1967 وهزيمة الروس على يد اليابانيينعام 1905، حيث يصل إلى نتيجة مفادها أن الهزيمة بالنسبة للطرفين كانت نتاجا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتراثية الفردية في المجتمعات المذكورة وهو في هذا الصدد يبرز السلم القيمي وسلم التفضيلات القيمية السياسية. ويوجه العظم النقد لسلم القيم الضيق الذي يعلي من شأن الولاءات الصغرى على حساب الولاءات القومية. فتراتبية القيم العربية كانت في أصل الهزيمة العربية والنزوح العربي من أرض فلسطين ومن الأراضي العربية الأخرى، ففي النسق القيمي العربي تسود قيمة الولاء للأسرة وتعلو على قيمة الولاء للوطن. فالعرب قد يتركون منازلهم وقراهم خوفا من تعرض نسائهم وزوجاتهم للاغتصاب وهذا الخوف هو الذي دفع أكثرهم إلى الهجرة من الأراضي العربية عام 1948 وعام 1967 ([32]).

وقد تجلت هذه الحقيقية أيضا حقيقة تنامي الولاءات الصغرى ( قبلية طائفية عشائرية) في عدد من الدراسات العربية حيث تجدر الإشارة إلى دراسة أحمد جمال ظاهر حول: " اتجاهات التنشئة السياسية والاجتماعية في المجتمع الأردني. وهي دراسة ميدانية أجريت على عينة واسعة من طلبة مدارس منطقة شمال الأردن، وهدفت إلى دراسة منظومة القيم الاجتماعية والسياسية التي تكرسها اتجاهات التنشئة الاجتماعية. بينت هذه الدراسة أن القيم السائدة هي: الولاء للعائلة أولا، ثم للدين ثانيا، فالقومية في المرتبة الثالث، وتأتي الدولة في المرتبة الرابعة. وقد أجمع أفراد العينة أن الأمة العربية تشكل أمة واحدة بسبب اللغة العربية، وقد أجمع أفراد العينة تقريبا على تفضيل العائلة على الأرض وإن فقدان الأرض خير من فقدان أحد أعضاء الجسد، ولكنهم يفضلون فقدان الوالدين على فقدان الأرض([33]).

ويقتضي الموقف العلمي في هذا السياق أن يشار إلى الداسة الهامة لنزار إبراهيم بعنوان: البني الاعتقادية في الذهنية الشبابية العربية المثقفة" حيث تناول الباحث عينة واسعة من الشباب العربي. هدفت دراسته إلى تقصي مضامين واتجاهات العقلية السائدة عند الشباب. وقد بينت الدراسة أولوية الانتماء الضيق عند الشباب العربي حيث أخذت الانتماءات إلى العائلة والقبيلة أهمية أولوية على الانتماء الوطني أو القومي([34])..

في دراسة هامة حول: " الاغتراب بين الطلبة الجامعين القطريين والبحريين واليمنيين " عام 1986 على خمس عينات واسعة من الطلبة المسجلين بجامعة قطر من مختلف الجنسيات العربية، تبين الباحثة جهينة العيسى أن 56 %من الطلبة الذكور يشعرون بأزمة الانتماء القيمي، وانهم غير قادرين على التكيف مع القيم الاجتماعية السائدة، وان 57 %يشعرون بأنهم لا يملكون طاقة توجيه الذات، وان قوى خارجية تسيطر على وجودهم وقواهم ([35]).

ومن الدراسات الهامة في تونس أيضا تبرز دراسة عبد اللطيف الحناشي([36])التي أجريت على عينة بلغت 80 عاملا من أصل مجتمع قدره 900 عامل. واعتمدت الدراسة على المقابلة الشخصية وأجريت في الفترة الزمنية التي تمتد من شهر أكتوبر من عام 1988 حتى أيار /مايو 1989 في تونس وهدفت إلى استطلاع مواقف العمال من الوحدة العربية.

 وتشير نتائج هذه الدراسة أن العمال ينظرون إلى الوحدة بوصفها ضرورية ولكنهم يختلفون حول مبرارتها. حيث يرى 34.12 %أن التحديات الخارجية المتمثلة في الكيان الصهيوني والإمبريالية هي العامل الأساسي للمطلب الوحدوي. ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، واحتلال الجنوب اللبناني 1978، واحتلال العاصمة بيروت 1982، وضرب مقر قيادة التحرير الفلسطينية بتونس 1985. وهذه العمليات كانت نتاجا للتحالف مع القوى الإمبريالية العالمية. ويعتقد 25.59 %من أفراد العينة أن مبررات الوحدة تعود لأسباب تتعلق بالتحديات الداخلية مثل التخلف الاقتصادي والتبعية والمديونية والطبالة، وبالإضافة إلى بروز المشاكل الطائفية والأقليات في بعض الأقطار العربية. ويرى 20.3%إن دواعي الواحدة تكون لأسباب تاريخية. هذا وقد أعلن اكثرية أفراد العينة أن الوحدة تعمل على حماية الأمن القومي ومجابة الصهيونية والإمبريالية وتأمين القوة الاقتصادية. ومن أهم القضايا التيدرست هي حول ماهية الوحدة حيث أعطي 58.75 %للوحدة طابعا إسلاميا عربيا، بينما يرى 21.25 %أن الوحدة يجب أن تكون على أساس علماني، في حين اعتبر 15 %أن لا هوية للوحدة غير الإسلام، وقد أعلن 5 %أن هوية الوحدة تقتصر على فكرة العروبة بشكلها التقليدي.

وفي دراسة أجراها علي وطفة على عينة سورية يتبين أن التضامن العربي هو القيمة التي تصدرت منظومة القيم السياسية والاجتماعية عند الطلاب. وبالمقارنة مع قيمة الوحدة العربية نجد أن الأخيرة قد احتلت المرتبة الرابعة وهذا يعني أن القيمة السياسية لمفهوم التضامن العربي يجد مكانا له أكثر أهمية من مفهوم الوحدة العربية، ويفسر هذا بأن الضغط الأيديولوجي الذي تمحور حول مفهوم التضامن استطاع أن ينحي مفهوم الوحدة العربية عن أولويته وأهميته وأن يستبدله بمفهوم التضامن العربي من حيث الأهمية والأولوية. وقد تبين أيضا أن المضمون الاجتماعي للطموحات السياسية عند الشباب بدأ يأخذ أهمية خاصة تخالف منطق الأيديولوجيا الرسمية التي تؤكد على أولوية المطلب القومي ويبدو بوضوح أن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمضمون الاجتماعي للطموحات الشبابية بدأت تحتل مكانا كبيرا وأهمية خاصة منافية لمنطق الخطاب الرسميوهذا يعني بأن المضمون الاجتماعي للحقيقة السياسية أصبح أكثر أهمية من المضمون القومي([37]).

الأنظمة السياسية العربية إزاء الانتماءات القبلية والطائفية :

لقد عملت الدولة القطرية في الوطن العربي، وبصورة مستمرة في الخفاء حينا وفي العلن أحيانا أخرى على إحياء مختلف الولاءات الطائفية والعشائرية في المجتمع بدلا من العمل على تغييبها واجتثاث أسباب وجودها. لقد تبلورت هذه البنى الصغرى في ظل الأنظمة السياسية القائمة ووظفت في خدمتها أيضا وذلك من أجل استمرار صيغة الأنظمة السياسية القائمة على التسلط والإكراه. وليس غريبا على أي مواطن في الوطن العربي أن يدرك هذه الحقيقية عندما يتأمل في آلية استمرار بعض الأنظمة العربية الشمولية في الوجود على أساس التناقضات الطائفية وتوازناتها ، وعلى أساس الأيديولوجيا الخفية التي تعلنها وتبثها في وعي الجماهير بصورة خفية وذكية تعتمد على الدهاء السياسي ومن منطلق غياب الحياة الديمقراطية في أغلب البلدان العربية.

فالأنظمة السياسية تعيد بشكل ضمني إنتاج العلاقات والانتماءات التقليدية الطائفية والعشائرية وتؤكدها بصورة مستمرة عبر ممارسات تتصل بتوزيع الأدوار والوظائف الأساسية في الدولة على أساس عشائري أحيانا، وطائفي أحيانا، وإقليمي في كثير من الأحيان. لقد أصبح واضحا حتى بالنسبة للمواطن العادي الآليات التي تعتمدها الدولة في توزيع هذه الأدوار تحت ذريعة التوازن الطائفي والقبائلي والديني في المجتمع. لقد أصبح من المألوف أن كثيرا من الأنظمة السياسية العربية القائمة تعتمد مثل هذه الاستراتيجية بأبعادها الطائفية والإقليمية، وأصبحت هذه الممارسات تحمل طابعا شرعيا ومشروعا بالنسبة للجماهير. وقد أصبح من الواضح أيضا أن هذه الممارسة تعزز الانتماءات الضيقة وتحرض مشاعر الكراهية والتعصب بين أفراد المجتمع على أساس طائفي أو عشائري أو إقليمي. لقد عاشت أجيال متتالية من الناس مراحل تكوينها النفسي والعقلي في ظل هذه الممارسات السياسية الخطرة التي جعلت من الانتماءات الضيقة ( الطائفية والعشائرية ) منطلقات مشروعة للعمل السياسي والحركة الاجتماعية. وإذا كانت بعض الدول العربية تعلن هذه الممارسات الطائفية على مختلف المنابر الإعلامية وفي كل المناسبات، وتفاخر بديمقراطية غارقة حتى أذنيها في الأوحال الطائفية والعنصرية، فإن الأدهى والأمر من ذلك كله أن هذه الممارسات الطائفية قد وجدت حضورها المسرحي المميز في دول ترفع شعارات وطنية وقومية وتغرق شعوبها وشعوب المنطقة العربية بكل أحلام النهضة والأمة العربية الواحدة. ومن هذا المنطلق أصبحت " الحياة الاجتماعية العربية متشبعة بقضايا التمييز العنصري واستبداد الأقوياء، واضطهاد الأقليات العرقية، وخرق المبادئ الإنسانية في المجتمع"([38]).

لقد عملت بعض الأنظمة السياسية الشمولية في الوطن العربي على ترويج مقولة التوازن الطائفي، ووظفت مفهوم الرعب الطائفي كأداة أيديولوجية ضاربة في إرهاب الجماهير، وأصبح هذا المفهوم يدخل اليوم في بنية هذه الأنظمة ويساندها، حيث يشكل الحاكم بيضة القبان في التوازنات الطائفية القائمة في بعض البلدان العربية المعاصرة. فالضغط الطائفي غالبا ما يشكل إكراها عاصفا يجتث مختلف محاولات التنمية الديمقراطية وعاصفة من نار تدمر كل المحاولات الإنسانية وتحرق أحلام الناس في وطن ديمقراطي حرّ أصيل.

ويصف أحد المفكرين العرب هذه الوضعية بقوله :" تعاني المجتمعات العربية المعاصرة من هيمنة قوى سياسية واجتماعية وثقافية محددة تمارس دورها، وتحطم الروابط الاجتماعية بين الناس، وتعمل على إحياء كل ولاءات الماضي ما قبل المجتمعية وانتماءاته كالطائفية والقبلية والعشائرية والأثنية. .. وغيرها بحيث يصبح الكل في حرب ض الكل (...) وتمعن في إفقار معظم أفراد الشعب، وتنقل ثرواتها إلى خارج الحدود وتمتنع عن توظيفها واستثمارها في مشاريع إنتاج عربية الأمر الذي يؤدي في نهاية الأمر إلى تأجيج الأحقاد بين العربي والعربي داخل القطر العربي الواحد أو بين الأقطار العربية وبالتالي تهميش العامل المنتج للمشاعر القومية بين الناس" ([39]).

وتجد هذه الرؤية صداها عند أحد المفكرين العرب إذ يقول :" فالسلطة، في مجتمعاتنا العربية، لم توفق في خلق الاندماج الاجتماعي بين فئات المجتمع، بل كانت تساعد أحيانا في خلق العزلة والتعصب والتباعد بين الجماعات. والمأزق يتجسد في عدم قدرة السلطة على خلق نموذج وطني، يوحد بين الجماعات الفرعية، التي أصبحت تحقق أمنا للفرد الذي ينتمي إليها في ظل غياب أمن المجتمع والدولة، فأعضاء الجماعة الفرعية تمتاز بقوة روابطها وبدرجة عالية من الانغلاق بحيث تقود إلى درجة عالية من النرجسية"([40]).

لقد أدرك الكتاب العرب بصورة دائمة النتائج التاريخية والاجتماعية لغياب الحياة الديمقراطية في الوطن العربي وقد أعلنوا في أكثر من مناسبة أن الانتماءات الضيقة العشائرية منها والطائفية هي نتاج لغياب الديمقراطية السياسية والاجتماعية وأدركوا أيضا أن التعصب بكل صيغه وتجلياته نتاج واضح لوضعية شمولية ترهب الحياة الديمقراطية وتعلن الحرب الشاملة على مختلف الاتجاهات الديمقراطية القائمة والمحتملة في المجتمع. ويبدو هذا الموقف الفكري صريحا في رأي الباحثة العربية منى مكرم عبيد التي تعلن بان التعصب نتاج لفعل استبداد سياسي يتم في غياب الديمقراطية حيث تقول : " إن أهم المشاكل التي تتجسم فيها إشكاليات الفكر العربي المعاصر مشاكل بنيوية فكرية واجتماعية في مقدمتها:

1- ظاهرة التطرف الديني والتعصب المذهبي الطائفي إلى درجة القتل والقتال.

2- مشكلة الأقليات في البلدان العربية التي فيها أقليات.

ومن أهم العوامل التي فعلت فعلها في انبعاث هاتين الظاهرتين هو غياب الديمقراطية، وأقول لأنه من دون الديمقراطية، ومن دون التعبير الديمقراطي الحر لا يمكن احتواء مشكلة التعصب الديني، ولا مشكلة الأقليات احتواء سليما وسليما وصحيحا. ([41]).

إننا نجد هذه الصورة الواقعية في وثيقة أصدرها المعهد العربي للتخطيط يصف فيه الواقع التراجيدي للوطن العربي بأنه " وطن تتحرق شعوبه إلى الوحدة، بينما تكرس أنظمته التربوية والتعليمية الانفصال، وطن تتشوق فيه شعوبه إلى الديمقراطية، ولكن أنظمته تكرس كل قيم القهر والاستبداد. وهذه هي ملامح الصورة الثقافية للثقافة العربية التي تفيض بالتناقض وتمور بالقيم المتنافرة المتضاربة. فالثقافة العربية تشكل مسرحاً للفوضى القيمية وساحة للتناقضات بين القيم والمبادئ، بين الشعارات والإنجازات، بين التصرفات والممارسـات " ([42]).

خاتمة :

مع أهمية الدور التاريخي للتكوينات الاجتماعية الصغرى الطائفية والعشائرية والقبلية منها، ومع أهمية الوظائف الاجتماعية التي تقوم بها في المجتمعات العربية التقليدية في ظل غياب الحياة الديمقراطية، فإن هذه التكوينات وما تفرضه من مشاعر انتماء وولاء تناهض حركة التطور الاجتماعي وتكبح جماح الحداثة بكل معانيها واتجاهاتها. فهذه التكوينات بما تنطوي عليه ن قيم عقلية ومعايير للوجود والتفكير والممارسات تقاوم مختلف اتجاهات النهوض الحضاري والتكنولوجي ، لأن القيم الطائفية والعشائرية والعائلية تصيب حركة النهوض الحضاري بمقتل، وتخل بكل إمكانيات النقلة الحضارية الممكنة، وتشكل عامل هدم للتماسك الاجتماعي الممكن في المجتمعات العربية. وفي هذا يقول قيس النوري:"لعل من العقبات التي تعرقل عملية التطور الحضاري للشخصية العربية عموما التضاد بين التبعية الذهنية العشائرية ومتطلبات العقل الحضاري الذي لا يمكن أن تستغني الدولة عنه لضمان سيادتها وتأمين الاعتراف الجماهيري بها ومؤسساتها([43]). وعن هذا الواقع يعلن زكي حنوش عن الطاقة التدميرية لهذه التكوينات بقوله : " هناك تركيبات اجتماعية لا تزال تشكل عوائق ضد نظام حقوق الإنسان، وعلى رأسها مفاهيم الطائفة والعائلة والعشيرة والعصبيات المحلية وأساطيرها المختلفة، والتي تتساند وتتفاعل في ديناميكية فريدة مع مفهوم الأبوية "البطريركية"التقليدية، أو الحديثة الممثلة في الدولة، وهذه التركيبات الفسيفسائية، وأسسها العرقية والطائفية، تمثل عقبات بنائية ضد نظم حقوق الإنسان"([44]).

ومن هذا المنطلق يدعو المفكرون العرب إلى تدمير هذه التكوينات وهذه البنى الطائفية والعشائرية التي تخل بموازين التقدم الحضاري. لأن هذه التكوينات تشكل وبصورة مستمرة حاضنا للاتجاهات التعصبية التي تشكل أخطر ما يواجهه المجتمع العربي من تحديات في هذه المرحلة التاريخية الحديثة. إن بناء مجتمعات حديثة متطورة يعتمد اليوم وبدرجة كبيرة على تكوينات اجتماعية تدين بولائها للوطن والأرض وتدفن وراءها أبدا مختلف الانتماءات والولاءات القديمة السابقة لميلاد الحضارة الإنسانية. لقد مارست هذه الانتماءات دورها التاريخي والآن يجب العمل على إلى بناء الولاء الأكبر للوطن والأمة بوصفهما الحاضن التاريخي لأية نقلة حضارية متقدمة في سلم الحضارة الإنسانية. فالولاءات الضيقة تعيق حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتهدد التماسك الاجتماعي القائم في أي مجتمع من المجتمعات. إننا نجد في التاريخ العربي ما يؤكد هذه الحقيقة المدمرة للانتماءات الطائفية كما حدث خلال الحرب الأهلية في لبنان على سبيل المثال، ومثل هذه الفكرة نجدها صريحة فيما يذهب إليه أحد المفكرين الحرب حيث يقول " النظام القبلي أشد الأنظمة إعاقة للانتعاش الاقتصادي ونمو الشعور القومي، ومن ثم لتكوين رأي عام موحد في الأقطار العربية، فالنظام القبلي يرسخ الحكم الفردي ويقوي نفوذ الحكام. كما أن العصبيات العشائرية وما يرتبط بها من عادة من تحزبات فردية ونعرات طائفية ونزعات إقليمية ضيقة هي في مقدمة الأمراض الاجتماعية المعرقلة لوحدة الأمة العربية أو المعوقة لانبعاثها القومي.

إن القبلية والطائفية والعشائرية صيغ اجتماعية تجاوزتها أغلب المجتمعات الإنسانية وهي تشكل برأينا حصون التخلف الاجتماعي ومتاريس القهر. وبالتالي فإن هدم هذه الحصون الطائفية والعشائرية يحتاج إلى معول الديمقراطية التي يمكنها مع أن تمهد لبناء اجتماعي جديد لا يستقيم إلا في كينونة الأمة والوطن. إن وهج الديمقراطية ودفئها الإنساني يمكنه أن يشكل منطقا جديدا يستلهمه الإنسان العربي في بناء حداثته وحضارته الجديدة. وهذا يعني في النهاية أنه يجب تأكيد الحضور الإنساني والديمقراطي للإنسان في مجتمعه، وأنه وبقدر ما تستطيع الدولة أن والقوى الاجتماعية الحرة أن تؤكد الديمقراطية وحقوق الإنسان بصورة راسخة عندها سيخرج سكان الحصون إلى الفضاء الخارجي للمشاركة في بناء الوطن. وهذا بدوره يمنع القبيلة من التحول إلى قبلية والطائفة إلى طائفية. إننا في النهاية نحتاج إلى نقلة نوعية تستطيع أن تتجاوز منطق التخلف والتشرذم وكما يقول أحمد الأمين "هناك حاجة مضاعفة، اليوم في البلدان العربية كافة، إلى فلسفة تربوية تضع في رأس اهتماماتها الخروج بالإنسان العربي من "فرد" في القبيلة إلى عضو في المجتمع المدني، وبالعلاقات الاجتماعية من علاقات قبيلة إلى علاقات مدنية تتجاوز الأطر العشائرية والطائفية ([45]).

وخير ما نختتم به هذه المقالة هذه الفقرة التي وردت في البيان الختامي الصادر عن المؤتمر القومي الإسلامي الثاني الذي عقد في بيروت في 29 تشرين الأول عام 1997 حيث جاء فيه :"فالثقافة العربية الإسلامية بكل قيمها ومقوماتها وتاريخها وتراثها وموروثها وكذلك ما في اللغة العربية من حمل معرفي وقيم متنوعة عبر التاريخ، وما لها من فرادة وأصالة وتميز، وما فيها من أصول، وما تعنيه وتستثيره في النفوس من قيم ومشاعر، هي بمجملها حدود الوطن الذي نتجذر في أرضه ونحافظ فيه على هويتنا، وننمي فيه، بوعي معرفي عصري، خصوصيتنا ونمارس انطلاقا من ذلك مثاقفة مع الآخر باعتزاز وثقة وانفتاح، رافضين كل قطرية وإقليمية وطائفية تقزّمنا أو تقسمنا أو تشوه نظرتنا إلى ومواقفنا (...) ونحن في هذا السياق لا نضع العروبة مقابل السلام ولا الإسلام مقابل العروبة فهما يتكاملان ولا ينفصلان، وننظر إلى كل تنازع في هذا الاتجاه على أنه تنازع ضار ومفتعل ومدمر ويخدم مخططات تعادي أمتنا وثقافتنا ويرمي إلى فرض الضعف والتبعية علينا ([46]).إن بناء مجتمع عربي معاصر يمتلك القدرة والاقتدار مهمة مستحيلة إلا إذا استطاع الفكر العربي المعاصر، أن يبلور صيغة انتماء جديدة عصرية جديدة قومية أو إقليمية قادرة على استيعاب كل الفئات الاجتماعية والطائفية والقبلية على امتداد وطننا الكبير. ومثل هذا المشروع الفكري سيمثل بالتأكيد لطموح فإن جميع الفئات الاجتماعية بمختلف صيغها وتجلياتها.

 

 


[1]وثيقة تعليم الأمة العربي للتخطيط في القرن العشرين، المعهد العربي للتخطيط في القاهرة، تحرير سعد الدين إبراهيم، القاهرة 8-30/ إبريل 1992، ص 37.

[2]مجدي أبو زيد، قضية الانتماء وأسطورة بيوريدان، عبر الأنترنيت، موقع إسلام أون لاين، ص1.

[3]عبد المنعم المشاط " التعليم والتنمية السياسية " مستقبل التربية العربية، القاهرة، المجلد الأول، العدد الثاني، 1995، ص17.

[4]زكي نجيب محمود، قيم من التراث، دار الشروق، بيروت، 1990، ص 391.

3 عبد المنعم المشاط، التعليم والتنمية السياسية، مرجع سابق ، ص 117.

[5]  زكي نجيب محمود، فالق الحب والنوى ، الأهرام، في 26/11/1985.

[6]  زكي نجيب محمود، في مفترق الطرق، ، دار الشروق، بيروت ، 1984، ص 359.

[7]- زكي نجيب محمود، في مفترق الطرق، مرجع سابق ص 359

[8]معن زيادة، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الأول، معهد الإنماء العربي، الطبعة الولى، بيروت، 1986،ص 821.

[9]أليكس ميكشللي ، الهوية، ترجمة علي وطفة، دار معد، دمشق ، 1993. ص 15و 129.

[10]تعقيب علي الطراح على سعد الدين ايراهيم : التعصب والتحدي الجديد للتربية في الوطن العربي، ضمن: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية: الأطفال والتعصب والتربية:احتمالات الانهيار الداخلي للثقافة العربية المعاصرة، الكتاب السنوي السادس، 1989،صص(19-71)ص53.

[11]مراد وهبة : التسامح الثقافي : أبحاث المؤتمر الإقليمي الأول للمجموعة الأوروبية العربية للبحوث الاجتماعية المنعقد في 21-24 نوفمبر عام 1981، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1987،ص74.

[12]أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، 2000، ص 82.

[13]ناصيف نصار نحو مجتمع جديد، مقدمات اساسية في نقد المجتمع الطائفي ،دار النهار، بيروت، 1970، ص 244.

[14]رابطة الاجتماعيين، الكويت والمجتمع المدني : دور العوامل الداخلية والخارجية، محاضرات الموسم الثقافي لرابطة الاجتماعيين في الكويت، الكويت 1997، (صص 26-29) (صص 110-124).

[15]مداخلة سعد الدين ابراهيم: التعصب والتحدي الجديد للتربية في الوطن العربي ، مرجع سابق ،ص69.

[16]هشام شرابي، البنية البطركية في المجتمع العربي المعاصر، ص 140.

 [17]نقلا عن أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سابق ، ص 81.

[18]تعقيب محمد حداد على سعد الدين إبراهيم : التعصب والتحدي الجديد للتربية في الوطن العربي، مرجع سابق ،ص49.

[19]جورج قرم : ((جيوبولتيكا الأقليات في المشرق العربي )) دراسات عربية , العدد 11 – 12 بيروت, 1994.

[20]أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سابق، ص 81.

[21]قيس النوري : حول بنى السلطة والثقافة والأزمة العربية ،آفاق الديمقراطية والتركيب الثقافي العربي، الفكر العربي ،العددان 85 – 86، 1996، صص 38-48، ص41.

[22]نقلا عن أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت، 2000، ص 81

[23]أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سابق، ص 81.

[24]حامد خليل، مستقبل العلاقات الثقافية والاجتماعية العربية، شؤون عربية، العدد93، مارس /آذار، 1998،(صص 61-80)، ص67.

[25]حامد خليل : مستقبل العلاقات الثقافية والاجتماعية العربية المرجع السابق ، ص68.

[26]انظر : علي وطفة، السياسات التربوية في الوطن العربي: شعارات قومية وممارسات قطرية، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 9، خريف 1997.

[27]أحمد برقاوي : المشروع القومي وإشكالية الدولة القطرية، إبداع، عدد 11، نوفمبر، 1998، (صص 7-15).

[28]خلدون حسن النقيب، المشكل التربوي، والثورة الصامتة، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية ، العدد 19، يوليو/حزيران ، 1993 ، ص 15.

[29]خلدون حسن النقيب، المشكل التربوي، والثورة الصامتة ،مرجع السابق،  ص 13.

[30]خلدون حسن النقيب، المشكل التربوي، والثورة الصامتة، مرجع السابق، ص 15.

[31]مصطفى عمر التير، المشكلات الاجتماعية: تحديد إطار عام،الفكر العربي، عدد 19، كانون الثاني /  شباط، 1981 (صص 7 -24 )، ص 21.

[32]صادق جلال العظم، النقد الذاتي بعد الهزيمة، دارالطليعة،بيروت 1968.

[33]أحمد جمال ظاهر ، اتجاهات التنشئة السياسية و الاجتماعية في المجتمع الأردني : دراسة ميدانية لمنظمة شمال الأردن، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 14، العدد 3، 1986، (صص: 43 -72 ).

[34]نزار ابراهيم ، البنى الاعتقادية في الذهنية الشبابية المثقفة، الوحدة، عدد 39، ديسمبر، 1987، صص 88 - 153. 

[35]جهينة العيسى: الاغتراب بين الطلبة الجامعين القطريين والبحرينيين واليمنيين "، حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، جامعة قطر، الدوحة، 1988، ( صص 77- 104).

[36]عبد اللطيف الحناشي : موقف الأوساط العمالية في تونس من الوحدة، المستقبل العربي، السنة 15، العدد 160، حزيران/يونيو، 1992، (صص 43-65).

[37]   علي وطفة ، الأبعاد القومية والاجتماعية للطموحات السياسية عند عينة من طلاب جامعة دمشق، مجلة عالم الفكر الكويتية، المجلد 29، العدد ، أكتوبر /ديسمبر ، 2000 ، (صص 206-247).

[38]الحطاب، أحمد : الصفات التي يجب أن تتسم بها التربية للاستجابة لمتطلبات المجتمع خلال القرن الواحد والعشرين، مكتب اليونيسكو الإقليمي للتربية في الوطن العربي، العدد 35، يونيو/حزيران 1989. (ص14 و15).  ، ص38.

[39]حامد خليل : مستقبل العلاقات الثقافية والاجتماعية العربية -العربية، شؤون عربية، العدد 93، مارس /آذار، 1998، (صص 61-80)، ص66.

[40]تعقيب علي الطراح على سعد الدين إبراهيم : التعصب والتحدي الجديد للتربية في الوطن العربي، مرجع سابق، ص54.

[41]مداخلة منى مكرم عبيد حول ندوة:علي الدين هلال: أزمة الفكر الليبرالي في الوطن العربي،عالم الفكر،المجلد 16، العددان 3-4، يناير/مارس ابريل/ يونيو، الكويت،1998 ،ص137.

[42]المعهد العربي للتخطيط وثيقة تعليم الأمة العربية في القرن العشرين " الكارثة والأمل " التقرير التلخيصي لمشروع مستقبل التعليم في الوطن العربي " تحرير سعد الدين ابراهيم، القاهرة -18-30- نيسان (أبريل ) 1992.( ص:37).

[43]قيس النوري : حول بنى السلطة والثقافة والأزمة العربية ،آفاق الديمقراطية والتركيب الثقافي العربي، الفكر العربي ،العددان 85 – 86، 1996، صص 38-48، ص.48

[44]زكي حنوش: مستقبل حقوق الإنسان والشعوب في ظل النظام العالمي الجديد،عالم الفكر ،العدد التسعون، السنة الثامنة عشرة، خريف1997،(صص228_245)،ص239.

[45]أحمد الأمين ، إعادة بناء العقلية العربية:مقدمات من أجل بناء المجتمع المدني وإقامة الديمقراطية، دراسات عربية، العدد 1/2، نوفمبر/ ديسمبر،دار الطليعة،بيروت، 1998، صص( 2- 12). ص 8.

[46]ميثاق للمثقفين العرب ، برنامج عمل لمقاومة التطبيع : الفكر السياسي، العدد الأول، السنة الأولى، شتاء 1997.(صص 221-227) ص226. 

قراءة 8808 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 04 شباط/فبراير 2015 18:05

31 تعليقات

  • MatthewMog   MatthewMog الأربعاء, 18 تشرين1/أكتوير 2017 18:26   تعليق

    buy cialis canada online
    cialis generic
    buy cialis professional online
    generic cialis 2017
    buy black cialis

  • Davidinher   Davidinher الإثنين, 16 تشرين1/أكتوير 2017 01:37   تعليق

    cheapest genuine cialis
    cheap cialis
    cialis pills men
    cialis online
    cialis soft tabs 20mg pills

  • Joshuaswary   Joshuaswary الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2017 15:01   تعليق

    cheapest cialis and viagra
    tadalafil generic
    generic cialis buy
    cialis on line no pres
    where can i get cheap cialis

  • StevenLek   StevenLek السبت, 14 تشرين1/أكتوير 2017 15:24   تعليق

    can take 2 viagra pills one day
    viagra from canada
    buy viagra american express
    viagra generic
    online sildenafil citrate

  • MarionElony   MarionElony السبت, 14 تشرين1/أكتوير 2017 04:06   تعليق

    online viagra pharmacy uk
    viagra cost
    discount brand name viagra
    viagra generic
    can you buy viagra over the counter in america

  • JustinEsome   JustinEsome الأربعاء, 11 تشرين1/أكتوير 2017 15:48   تعليق

    where to buy viagra in amsterdam
    buy viagra
    comprare viagra online forum
    viagra uk
    buy viagra cheap in canada

  • RichardIODIX   RichardIODIX الأربعاء, 11 تشرين1/أكتوير 2017 04:06   تعليق

    generico viagra contrareembolso
    generic viagra
    viagra sale galway
    viagra sans ordonnance
    buying viagra spain

  • Kerrymes   Kerrymes الثلاثاء, 10 تشرين1/أكتوير 2017 16:06   تعليق

    levitra 20mg vs. viagra 100mg
    generic for viagra
    using viagra and levitra together
    buy viagra online
    safe place to order viagra

  • RobertKikat   RobertKikat الجمعة, 06 تشرين1/أكتوير 2017 13:09   تعليق

    can you buy viagra over counter south africa
    Viagra Online
    can you take viagra cialis together
    Viagra 50 mg
    cheap pfizer viagra online

  • BrianHit   BrianHit الثلاثاء, 03 تشرين1/أكتوير 2017 10:48   تعليق

    best mail order viagra
    order viagra with mastercard
    is 150 mg viagra safe
    can you buy viagra tesco
    what do i tell doctor to get viagra

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

- (*) حقول مطلوبة يجب إدخالها .

- تعليقات القراء هي من أجل إتاحة مساحة للحوار العقلي الحر .

- سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض للأشخاص .

 - التعليقات مسئولية أصحابها أدبيا وقانونيا ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة .


©جميع حقوق الطبع محفوظة لمجلة نقد وتنوير
مجلة فكرية تربوية محكمة