الأحد, 25 كانون2/يناير 2015 10:49

قضية النمو الثقافي للطفل - ل. س . فيغوتسكي - ترجمة الدكتور نزار عيون السود .

قيم الموضوع
(2 أصوات)

قضية النمو الثقافي  للطفل 

                                                                                               

                                                    ل. س . فيغوتسكي *

                                            ترجمة: د . نزار عيون السود

        " تتحول قوانين الطبيعة الخالدة باطراد، إلى قوانين تاريخية"

                                                               فردريك انغلز

 1- مشكلة البحث

إن الطفل في مسار نموه، لا يستوعب مضمون الخبرة الثقافية وحدها، بل ويستوعب أيضاً أساليب وأشكال السلوك الثقافي،وطرائق التفكير الثقافية.على هذا النحو، يجدر بنا التمييز بين اتجاهين في تطور سلوك الطفل. الأول - اتجاه النمو الطبيعي للسلوك، الوثيق الارتباط بعمليات النمو العضوي العام للطفل ونضجه. والاتجاه الثاني- اتجاه الاكتمال الثقافي للوظائف النفسية، وصياغة أساليب جديدة للتفكير واستحواذ وسائل السلوك الثقافية.

فالطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة، على سبيل المثال،يمكنه  التذكر أفضل وأكثر من الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة لسببين مختلفين كلياً.فقد أنجزت عمليات التذكر خلال هذه الفترة العمرية تطوراً ملحوظاً،وارتقت إلى درجة أعلى، ولكن لا يمكن الكشف عن أي من الاتجاهين سار فيه تطور الذاكرة إلا بوساطة التحليل السيكولوجي.

  ليف سيمينوفيتش فيغوتسكي (1896-1934) من أكبر علماء النفس في روسيا والاتحاد السوفييتي (سابقا) . ولد في أورشا ونشأ في غومل(بيلاروسيا)، درس في جامعة موسكو عام 1917، ومارس البحث النفسي التجريبي في مخبر علم النفس ،شارك عام 1924 في مؤتمر علم نفس الأعصاب من خلال بحثه "حول طريقة الدراسة الانعكاسية والسيكولوجية"،عرض من خلاله آراءه حول إمكانية دراسة النفس بطرائق موضوعية وإقامة علم نفس مستقل. دُعي للعمل في معهد علم النفس التجريبي بموسكو بعد المؤتمر. وشكل في المعهد بالاشتراك مع  أستاذي علم النفس أ لوريا  وأ. ليونتيف مجموعة كان له فيها دور القيادة. وقد لعبت هذه المجموعة دورا بارزاً في تحديد مصير علم النفس في الاتحاد السوفييتي .

    أسس مدرسة من أكبر المدارس في علم النفس السوفييتي، وهو واضع النظرية التاريخية – الثقافية في النمو الثقافي للطفل. من أشهر مؤلفاته:

-         دراسات في تاريخ السلوك. موسكو، 1930

-         تطور الوظائف النفسية العليا . موسكو، 1960

-         سيكولوجية الفن . موسكو،1965

-         الأعمال الكاملة في ستة مجلدات. موسكو، 1984 – المترجم -

فالطفل قد أصبح يتذكر أفضل نتيجة نمو وتحسن العمليات العصبية- النفسية، الكامنة في أساس الذاكرة، ولتطور الأساس العضوي لهذه العمليات، وباختصار- الذاكرة المصورة الرئيسة Mnemeللطفل أو" وظائف الذاكرة   mnemic functionsعنده. بيد أن التطور كان من الممكن أن يسير بطريق آخر تماماً. فالأساس العضوي للذاكرة أو الذاكرة الرئيسة mnemeمن الممكن أن لا يتغير خلال هذه الفترة تغيراً جوهرياً،ومن الممكن أن تتغير أساليب التذكر، وأن يكون الطفل قد تعلم الاستخدام الأفضل لذاكرته، وتمكن من الاستحواذ على أساليب التذكر الفنية للذاكرة ، وتحديداً أسلوب التذكر بواسطة الرموز.

في الواقع،من الممكن دوماً انفتاح اتجاهي النمو الاثنين معاً،لأن الطفل الأكبر سناً لا يتذكر أكثر من الطفل الأصغر سناً فحسب،بل ويتذكر بطريقة أخرى، بأسلوب آخر. وفي سيرورة النمو يحدث باستمرار،هذا التغير النوعي لأشكال السلوك، وتحوّل أشكال إلى أشكال أخرى. ويمكن للطفل الذي يتذكر بمساعدة الخريطة الجغرافية أو بواسطة المخطط أو الخطة أو الملخص أن يقدم مثالاً على هذا النمو الثقافي للذاكرة.وثمة أسس كافية للاعتقاد بأن النمو الثقافي يكمن في إتقان تلك الأساليب السلوكية التي تقوم على استخدام الرموز بصفتها وسائل لتحقيق هذه العملية السيكولوجية أو تلك، وان النمو الثقافي يكمن بالذات في استحواذ تلك الوسائط المعينة للسلوك ، التي أوجدتها البشرية في مسار تطورها التاريخي كاللغة والكتابة ونظام الحساب والعدد وغيرها.ويقدم لنا الدليل على ذلك ليس دراسة التطور السيكولوجي للإنسان البدائي فحسب، بل والملاحظات المباشرة للأطفال.

يحتل أهمية كبيرة،من أجل الطرح الصحيح لقضية النمو الثقافي للطفل، مفهوم البدائية الطفلية الذي برز في الفترة الأخيرة .فالطفل- البدائي- هو الطفل الذي لم يمر بأي نمو ثقافي، أو يقع في درجة دنيا نسبيا من هذا النمو.إن إبراز البدائية الطفلية، من حيث هي شكل خاص من عدم النمو، قد تساعد في الفهم الصحيح للنمو الثقافي للسلوك. إن البدائية الطفلية،أي  التأخر في نمو الطفل الثقافي، قد ترتبط إلى حد كبير بكون الطفل، لأسباب خارجية أو داخلية ما،لم يستحوذ على وسائل السلوك الثقافية،وعلى اللغة على الأغلب.

بيد أن الطفل البدائي هو طفل سليم . وفي شروط معينة، يمكن للطفل البدائي أن ينجز نمواً ثقافياً عادياً، ليصل إلى المستوى العقلي للإنسان الثقافي.وهذا بالذات يميز البدائية الطفلية عن ضعف القدرات العقلية.كما يمكن للبدائية الطفلية أن تقترن بجميع درجات التفوق الطبيعي .

إن البدائية، من حيث هي تخلف في النمو الثقافي، تعمل دوما تقريباً على تعقيد نمو الطفل، المرهق بالقصور. وكثيراً ما تقترن بالتخلف العقلي. ولكن وبالرغم من هذا الشكل المختلط، تبقى البدائية وضعف القدرات العقلية ظاهرتين مختلفتين من حيث طبيعتهما، كما أن مصير كل منهما مختلف اختلافاً عميقاً.فواحدة منها هي تأخر في النمو العضوي أو الطبيعي، كامن في عيوب في الدماغ، والأخرى تأخر في النمو الثقافي، ناشئ عن الاستحواذ الناقص على وسائط التفكير الثقافي. وسنذكر المثال التالي:

فتاة عمرها 9 سنوات،عادية جداً، لكنها بدائية. ُتطرح عليها الأسئلة التالية: 1) بعض الأطفال في  مدرسة معينة يكتبون بشكل جيد، وبعضهم يرسم بشكل جيد، فهل جميع الأطفال في هذه المدرسة يكتبون ويرسمون بشكل جيد؟- الجواب: ومن أين لي أن أعرف. ما لم أراه بعيني لا يمكن لي أن أفسره. لو رأيتهم لعرفت .2) جميع ألعاب ابني مصنوعة من الخشب ، والمصنوعات الخشبية لا تغرق في الماء. هل يمكن أن تغرق ألعاب ابني أم لا؟ الجواب: لا. - لماذا؟ لأن الخشب لا يغرق أبدا في الماء أما الحجر فيغرق. لقد رأيت بعيني.3) جميع إخوتي عاشوا بالقرب من شاطئ البحر، وكلهم يتقنون السباحة جيداً.فهل جميع من يسكن قرب البحر يتقن السباحة؟ - الجواب: بعضهم يسبح جيداً وبعضهم لا يعرف السباحة أبداً: لقد رأيت بعيني.ابنة عمي لا تعرف السباحة أبداً.إن جميع الرجال تقريباً أطول من النساء فهل عمي أطول من زوجته أم لا؟- الجواب : لا أعرف. لو رأيت لأجبت، لو رأيت عمك : طويل أم قصير،لأجبتك. 5) إن باحة منزلي أصغر من الحديقة، والحديقة أصغر من المزرعة. فهل باحة المنزل أصغر من المزرعة أم لا؟- الجواب: كذلك لا أعرف. وماذا تعتقد:إنني لم أر بأم عيني، فهل يمكنني الإجابة؟ وإذا ما أجبتك بأن المزرعة أكبر، وماذا لو لم تكن كذلك؟

وهاكم مثال آخر: صبي- بدائي . السؤال: ما الاختلاف بين الشجرة وقرمة الشجرة؟ الجواب: لم أر شجرة، اقسم بالله أني لم أر شجرة،أنا لا أعرف الشجرة،لم أرها وحق الله. نافذته تشرف على شجرة زيزفون، لدى سؤاله مع الإشارة إلى شجرة الزيزفون - وما هذه ؟ الجواب: زيزفونة .

إن تأخر نمو التفكير المنطقي ونشوء المفاهيم يحدث بصورة مباشرة لأن الأطفال لم يستحوذوا بعد بصورة كافية،على اللغة- تلك الأداة الرئيسة للتفكير المنطقي ونشوء المفاهيم. تقول الباحثة  آ.بتروفا التي اقتبسنا من بحثها الأمثلة المذكورة أعلاه :" تدل ملاحظاتنا العديدة على أن الاستبدال الكامل للغة لم يصلب عودها بلغة أخرى غير مكتملة أيضا لا يمر دون عقاب( دون أثر) بالنسبة للنفس. إن هذا الاستبدال لشكل معين من التفكير بشكل آخر يحد على نحو خاص من النشاط النفسي، حيث تغدو فقيرة بدونه".

إن الفتاة في مثالنا الأول، قد استبدلت اللغة التترية التي لم تتقنها بعد ، باللغة الروسية ، ولهذا لم تمتلك بشكل كامل ناصية اللغة واستخدامها كأداة تفكير. فهي تجد في نفسها انعداماً كاملاً للقدرة على استخدام الكلمة، رغم قدرتها على الكلام، أي يمكنها استخدام اللغة كوسيلة تواصل. وهي لا تدرك كيف يمكنها أن تصدر حكماً عقلياً على أساس الكلمات، وليس على أساس ما رأته بعينيها.

عادة، يندمج اتجاها النمو السيكولوجي، الطبيعي والثقافي، معاً بحيث يصعبا التمييز بينهما وتتبع كل منهما على حدة. وفي حال التأخر الشديد لأحد هذين الاتجاهين يحدث انفصالهما الواضح بدرجة أقل أو أكثر، كما رأينا في حالات البدائية primitive  الطفلية .

تبين لنا هذه الحالات أن النمو الثقافي لا يخلق شيئاً جديداً فوق وإلى جانب ما هو مقرر، كإمكانية،في التطور الطبيعي لسلوك الطفل. فالثقافة، عموما، لا تصنع شيئاً جديداً فوق ما تعطيه الطبيعة، لكنها تكيَف الطبيعة بما يناسب أهداف الإنسان. ويحدث الشيء نفسه في النمو الثقافي للسلوك. وهو يكمن أيضاً في التعديلات الداخلية لما أعطته الطبيعة في النمو الطبيعي  للسلوك.

وكما كان قد أظهر العالم غيفدينغ ، لا تمتلك أشكال السلوك العليا تلك الوسائل والوقائع التي تمتلكها الأشكال الدنيا من هذه الفعالية، حيث يقول :" إن حقيقة أن انطباعات التصورات  تغدو،خلال التفكير،موضع اهتمام خاص واختيار واع، لا يمكنها مع ذلك، تبديل قوانين الانطباعات، كما لا يمكن للتفكير أن يتحرر من هذه القوانين ، كما لا يمكننا بأي قوانين صناعية، استبعاد قوانين الطبيعة الخارجية، بيد أننا نستطيع توجيه القوانين السيكولوجية، مثلها مثل القوانين الفيزيائية، لخدمة أغراضنا وأهدافنا" .

وبالتالي، فعندما نتدخل بصورة مقصودة، في مسار عمليات سلوكنا، فإن هذا يتم حصراً حسب تلك القوانين التي تخضع لها هذه العمليات في مسارها الطبيعي، تماما كما نستطيع تكييفها وتعديلها وإخضاعها لأهدافنا، حسب قوانين الطبيعة الخارجية . إن هذا يدلنا على التناسب الصحيح القائم بين أسلوب السلوك الثقافي وبين أشكاله البدائية.

2 – التحليل

إن أي أسلوب ثقافي للسلوك، بما فيه الأكثر تعقيداً، يمكن تحليله بصورة كاملة، ودون أي باق،إلى عملياته العصبية - النفسية الطبيعية المكونة له، مثلها مثل عمل أي آلية يمكن حصره في نهاية الأمر بمنظومته المعروفة من العمليات الفيزيائية - الكيميائية. لهذا،فإن المهمة الأولى للبحث العلمي،عندما يقارب أسلوبا ثقافياً ما من أساليب السلوك، تكمن في تحليل هذا الأسلوب، أي الكشف عن مكوناته، وعن السيرورات السيكولوجية الطبيعية ،المشكّلة له .وهذا التحليل، الذي يجري بصورة مطردة وحتى النهاية، يقود إلى النتيجة ذاتها، فهو بالذات، يُظهر أنه ليس هناك أي أسلوب معقد رفيع من أساليب التفكير الثقافي، لا يرجع في نهاية الأمر، إلى بعض سيرورات السلوك الأولية.إن طريق وأهمية مثل هذا التحليل،يمكن توضيحهما على أسهل وجه، من خلال مثال محدد ملموس ما.

في دراساتنا وأبحاثنا التجريبية نضع الطفل في موقف، تنشأ فيه أمامه مهمة حفظ( تذكر)عدد معين من الأرقام أو الكلمات، أو أي مادة أخرى. وإذا كانت هذه المهمة لا تفوق قوى الطفل الطبيعية، يتمكن الطفل من إنجازها بأسلوب طبيعي أو بدائي. إنه يحفظها، مشكّلاً علاقات انطباعية أو منعكسات شرطية بين المثيرات والاستجابات.

بيد أن الموقف في تجاربنا ليس على هذا النحو أبداً تقريبا.والمهمة المطروحة على الطفل تفوق عادة قدراته الطبيعية. ولا يمكن حلها وتقريرها بهذه الطريقة البدائية والطبيعية. هنا، توضع عادة أمام الطفل مادة محايدة تماماً بالنسبة للعبة كلها: ورقة، دبوس، خردق، حبل وما شابه ذلك.والموقف يبدو، في هذه الحالة، شبيه بالموقف الذي صنعه العالم كيلر لقروده. تنشأ المهمة في مسار النشاط الطبيعي للطفل، لكن حلها يتطلب طريقا التفافياً أو استخدام أداة. وإذا ما ابتكر الطفل هذا المخرج، يلجأ إلى العلامات(الدلالات) طلبا للمساعدة، فيربط العقد على الحبل، ويحصي حبات الخردق، ويمد الورقة أو يقطعها وما شابه ذلك.ومثل هذا التذكر( الحفظ) المرتكز على استخدام العلامات نعتبره بمثابة مثال نموذجي على أي أسلوب ثقافي للسلوك. إن الطفل يحل المسألة الداخلية بمساعدة وسائط خارجية، ونحن نرى في هذا التميز النموذجي النمطي الأكثر للسلوك الثقافي.

وهذا ما يميز الموقف الذي صنعناه في تجاربنا عن الموقف عند كيلر، ومن بعده باحثون آخرون حاولوا تطبيقه على الأطفال . حيث كانت المهمة وحلها واقعين بالكامل في مجال النشاط الخارجي.أما في تجاربنا، فالمهمة وحلها في المجال الداخلي. في تجاربهم اكتسب الموضوع المحايد الأهمية الوظيفية للأداة، أما عندنا فقد اكتسب الموضوع المحايد الأهمية الوظيفية للعلامة.

لقد سارت البشرية على هذا الطريق ، المعتمد على العلامات( الدلالات) في تنمية الذاكرة. ومثل هذه العملية التقنية التذكرية(المعتمدة على الذاكرة الرئيسة) ، من حيث الجوهر، تعد الخاصية البشرية المميزة للسلوك.وهي غير ممكنة ومستحيلة عند الحيوانات. ولنقارن الآن،التذكرالطبيعي والثقافي عند الطفل. إن العلاقة بين هذين الشكلين من التذكر يمكن التعبير عنها بصورة واضحة، بواسطة مخطط المثلث الذي نذكره.

في حالة الحفظ الطبيعي يُحدد ارتباط انطباعي بسيط أو انعكاسي- شرطي بين نقطتين Aو B. في حالة الحفظ  التقني- التذكري،الذي يستخدم دلالة ( علامة) ما، يُحدد بدلاً من الارتباط الانطباعي الواحد بين Aو Bارتباطان إضافيان بين Aو X   وبين BوX  ،يقودان إلى النتيجة نفسها، ولكن بطريقة أخرى.وكل ارتباط من هذين الارتباطين A  وBXيمثلان العملية الانعكاسية- الشرطية ذاتها لإغلاق الارتباط في قشرة الدماغ، مثل الارتباط AB.وعلى هذا النحو، فالتذكر التقني بواسطة الذاكرة الرئيسة يمكن تحليله إلى المنعكسات الشرطية نفسها دون باق، مثل التذكر الطبيعي.

والجديد هنا واقع استبدال ارتباط واحد بارتباطين آخرين. والجديد أيضا هو تصميم أو تركيب الارتباطات العصبية، كما أن الجديد هنا هو الاتجاه  المعطى لعملية إغلاق الارتباط بمساعدة العلامة. كما أن بنية الأسلوب الثقافي للتذكر،وليس عناصره، جديدة أيضا.

 

3- البنية

 

أما المهمة الثانية للدراسة العلمية فهي إيضاح بنية هذه الطريقة.رغم أن أي طريقة للسلوك الثقافي تتكون، كما يثبت ذلك التحليل، من عمليات سيكولوجية طبيعية،غير أنه لا يوحدها بطريقة ميكانيكية بل بطريقة بنيوية. وهذا يعني أن جميع العمليات المكونة لهذه الطريقة تشكل وحدة وظيفية وبنيوية مركبة.وهذه الوحدة تشكل،أولاً، المهمة التي تهدف هذه الطريقة إلى حلها، وثانياً، تشكل الوسيلة التي تتحقق بها هذه الطريقة. لقد أسمينا بصورة صحيحة تماماً المرحلتين الأولى والثانية من وجهة نظر المنشأ.ولكن، من الناحية البنيوية،تعد المرحلة الثانية بالذات هي المرحلة الرئيسة والمحددة، نظراً لأن المهمة الواحدة ذاتها، التي تُحل بوسائل مختلفة، ستكتسب بنية مختلفة. ويكفي أن يتجه الطفل في الموقف المذكور أعلاه، لطلب المساعدة من الوسائط الخارجية للتذكر، حتى يتحدد كامل قوام عملياته بطابع هذه الوسيلة التي اختارها.

إن التذكر المرتكز على منظومات الدلالات (العلامات) المختلفة سيكون مختلفاً من حيث البنية. فالعلامة، أوأي أسلوب ثقافي آخر للسلوك، حتى الأكثر تركيباً، قابل للتحليل دوماً وبصورة كاملة إلى عملياته النفسية- العصبية الطبيعية، دون باق، ومثله مثل عمل أي آلية ، يمكن حصره في نهاية الأمر، بالمنظومة المعروفة من العمليات الفيزيائية- الكيميائية.ولهذا فإن المهمة الأولى للبحث العلمي عند مقاربته لأي أسلوب ثقافي للسلوك، هي تحليل هذا الأسلوب، أي الكشف عن مكوناته وعن العمليات السيكولوجية الطبيعية التي تكوّنه.إن هذا التحليل، الذي ينجز بصورة علمية مطردة حتى النهاية، يقود دوماً إلى النتيجة ذاتها،وهو بالذات يظهر أنه لا وجود لذلك الأسلوب المركب  والرفيع للتفكير الثقافي الذي يتشكل في نهاية الأمر من بعض عمليات السلوك الأولية. إن مسار وأهمية مثل هذا التحليل يمكن توضيحهما على أسهل وجه، بواسطة مثال ملموس ما.

في أبحاثنا التجريبية، نضع الطفل في موقف تظهر فيه أمامه مهمة حفظ كمية معينة من الأرقام أو الكلمات أو أي مادة أخرى. إذا كانت هذه المهمة لا تفوق قدرات الطفل الطبيعية، يتمكن الطفل من إنجازها وحلها بأسلوب طبيعي أو بدائي. فهو يحفظ، مشكلاً ارتباطات انطباعية أو انعكاسية- شرطية بين الحوافز والاستجابات.

 بيد أن الموقف في تجاربنا لا يكون أبداً تقريباً على هذا النحو. والمهمة المطروحة على الطفل تفوق عادة قدراته الطبيعية. ويتضح أن من غير الممكن حلها وإنجازها بأسلوب بدائي أو طبيعي.وهنا يجد الطفل أمامه مادة محايدة تماماً، بالنسبة للعلبة كلها التي يشارك فيها: ورقة، دبوس، خردق، حبل وما شابه ذلك. ويبدو الموقف في هذه الحالة شبيهاً جداً بالموقف الذي صنعه كيلر لقروده. تنشأ المهمة في أثناء النشاط الطبيعي للطفل، لكن حلها يتطلب طريقا التفافياً أو استخدام أداة .فإذا اكتشف الطفل هذا المخرج، فهو يلجأ إلى مساعدة العلامات، رابطاً  العقد على الحبل، ويحصي حبات الخردق، ويمد الورقة أو يقطعها وما شابه ذلك.إن مثل هذا الحفظ ( التذكر) المرتكز على استخدام العلامات نعتبره مثالاً تقليدياً لأي أسلوب ثقافي للسلوك.ويحل الطفل المسألة الداخلية بمساعدة وسائل خارجية؛ وفي هذا نرى التميز النموذجي للسلوك الثقافي.

وهذا ما يميز الموقف الناشئ في تجاربنا عن ذلك الموقف الذي حاول كيلر وباحثون آخرون من بعده تطبيقه على الأطفال. ففيه كانت المسألة وحلها واقعين بالكامل في مجال النشاط الخارجي. أما في موقفنا فالمسألة وحلها في مجال النشاط الداخلي. في موقف كيلر وآخرون اكتسب الموضوع المحايد الأهمية الوظيفية للأداة ، وعندنا، تشكل الوسيلة المساعدة للأسلوب الثقافي على هذا النحو، مركزاً بنيوياً ووظيفياً ، يحدد قوام كل عملية جزئية وأهميتها النسبية. إن إدخال العلامة في أي عملية من عمليات السلوك، والتي تتحقق بواسطتها، يعيد تشكيل كامل قوام العمليات السيكولوجية، تماماً مثلما يعيد إدخال الأداة كامل قوام عملية النشاط.

وللعمليات الناشئة خلال ذلك قوانينها الخاصة. وفيها تستبدل العمليات السيكولوجية بعمليات أخرى، تقود إلى النتيجة ذاتها، ولكن بطريق مغاير تماماً. وعلى سبيل المثال، في حال الحفظ التقني القائم على أساس الذاكرة الرئيسة، توظف المقارنة، والحدس، وإحياء الارتباط القديم، والعملية المنطقية أحياناً في خدمة الحفظ والتذكر. فالبنية التي توحد جميع العمليات المنفردة المدرجة في قوام الأسلوب الثقافي للسلوك، هي بالذات تحوّل هذا الأسلوب إلى وظيفة سيكولوجية تنفذ مهمتها بالنسبة للسلوك ككل .

 

4- المنشأ Genesis

 

غير أن هذه البنية لا تبقى ثابتة، وفي هذا يكمن أهم  ما نعرفه اليوم عن النمو الثقافي للطفل. فهذه البنية لا تُخلق من الخارج. إنها تنشأ بصورة طبيعية في مرحلة معينة من النمو الطبيعي للطفل. ولا يمكن أن تُفرض من الخارج على الطفل، لكنها تنشأ دوماً من الداخل، رغم تكوّنها بتأثير حاسم من الوسط الخارجي. وما إن تنشأ لا تبق ثابتة، بل تتعرض لتغير داخلي طويل يكشف عن جميع علائم النمو.

إن الأسلوب الجديد للسلوك لا يبقى ثابتاً ببساطة كمهارة خارجية معروفة. إنه يمتلك سيرته الداخلية. ويندمج في السيرورة العامة لنمو سلوك الطفل، ولهذا نمتلك نحن حق الحديث عن الناحية التكوينية، حيث تقف بنى من التفكير الثقافي جنباً إلى جنب مع البنى الأخرى، وعن نمو أساليب السلوك. وهذا النمو من نوع خاص بالطبع،ويتميز بصورة عميقة عن النمو العضوي، وله قوانينه الخاصة.

إن إدراك التميز الخاص لهذا النوع من النمو، والتعبير عنه بصورة صحيحة، يشكلان صعوبات كبيرة.وسنحاول فيما يلي وضع المخطط  المرسوم في الدراسات التجريبية لهذا النمو وإنجاز بعض الخطوات للاقتراب من الفهم الصحيح لهذه السيرورة. وقد حاول عالم النفس بينيه،الذي اصطدم في أبحاثه بهذين النموذجين من النمو، حل هذه المسألة بأبسط  وجه ممكن. فقد درس ذاكرة الحاسبين البارزين وتمكن خلال ذلك من توفير حالة لمقارنة تذكّر الإنسان، الذي يتمتع فعلاً بذاكرة متميزة، بتذكر الإنسان  الذي يتمتع  بذاكرة عادية لكنه لا  يقل عن الأول في مسألة تذكر عدد كبير من الأرقام .

على هذا النحو، تمت للمرة الأولى  معارضة الذاكرة الرئيسة بتقنية الذاكرة الرئيسة في الدراسة التجريبية وأجريت المحاولة الأولى لإيجاد الاختلافات الموضوعية بين هذين الأسلوبين المختلفين،من حيث الجوهر للذاكرة. وقد دعا بينيه دراسته والظاهرة ذاتها المكرسة للدراسة ب" محاكاة simulationالذاكرة". وهو يعتقد أن جميع  غالبية العمليات السيكولوجية يمكن محاكاتها،أي استبدالها بعمليات أخرى تشبهها من الناحية الخارجية لكنها تتميز عنها من حيث طبيعتها. ومثل هذه المحاكاة للذاكرة المتميزة يراها بينيه في تقنية الذاكرة المصورة، التي يدعوها بينه، خلافاً للذاكرة الطبيعية، بالذاكرة الصناعية.

إن تقنّي الذاكرة المصورة الذي كان يدرسه بينيه كان يتذكر بواسطة الأسلوب البسيط. فقد استبدل بينيه  الذاكرة الرقمية بالذاكرة الكلامية. وكان يستبدل كل رقم بالحرف المناسب، وركب الحرف في كلمات، وتشكلت جمل من هذه الكلمات، وبدلاً من عدد غير مترابط من الأرقام، بقي عليه أن يحفظ ويسترجع القصة القصيرة التي شكلها. من السهل في مثل هذا المثال رؤية إلى أي درجة يؤدي التذكر التقني بالذاكرة الرئيسة إلى استبدال عمليات سيكولوجية بعمليات أخرى.وهذه الواقعة الرئيسة بالذات، اجتذبت أنظار الباحثين، فقد أعطاهم المبرر للحديث هنا عن محاكاة النمو الطبيعي.

من المشكوك به، إمكان اعتبار هذا التحديد موفقاً. فهو يشير بشكل صحيح، إلى أنه ، في العمليات المتشابهة خارجياً (حفظ كلا الحاسبين واسترجعا كمية واحدة متماثلة تماماً من الأرقام) حاكت عملية عملية أخرى ،من حيث الجوهر.ولو كان المقصود بهذا التحديد مجرد التعبير عن تميز النموذج الثاني من نمو الذاكرة، لكن من غير المقبول مجادلته ومناقشته. بيد أنه يؤدي إلى الخطأ والتضليل، ضامراً في نفسه  الفكرة القائلة بأنه قد جرت هنا محاكاة ،أي خداع. ووجهة النظر هذه التي أوحت بها الشروط الخاصة بدراسة الأفراد الذين يستعرضون على خشبة المسرح ألاعيبهم ، ولهذا يميلون إلى الخداع . إنها أقرب إلى وجهة نظر محقق منها إلى وجهة نظر عالم نفس .

وبالفعل، وكما يعترف بينيه نفسه بذلك، فميل هذه المحاكاة ليست مجرد خداع ؛ وكل منا يحوز على نوع من تقنية الذاكرة المصورة، كما أن تقنية الذاكرة المصورة ذاتها، باعتراف هذا المؤلف نفسه، يجب أن ُتدرّس في المدارس إلى جانب الحساب الذهني.ألم يرد هذا المؤلف نفسه القول، بأن من الواجب تدريس فن المحاكاة في المدارس؟.

ولم يكن موفقاً أيضاً،وبالدرجة نفسها،حسب رأينا، تعيين هذا النموذج من النمو الثقافي بأنه نمو صوري (وهمي)،أي يؤدي إلى مجرد وهم النمو العضوي. هنا أيضاً يتجلى الجانب السلبي من المسألة، تحديداً، ومفاده أن في حال النمو الثقافي، يتحقق الارتقاء بالوظيفة إلى الدرجة العليا، ورفع نشاطها ليس بالنمو العضوي بل بالنمو (التطور) الوظيفي أي بتطوير الأسلوب نفسه. بيد أن هذه التسمية أيضاً تطمس تلك الحقيقة التي لا يرقى إليها الشك، وهي أننا في هذه الحالة لسنا أمام نمو وهمي بل أمام نمو حقيقي من نوع خاص، له قوانينه الخاصة. وبودنا الإشارة منذ البداية، إلى أن هذا النمو( التطور) خاضع لتأثير ذلك العاملين الرئيسين نفسيهما، المشاركين في نمو الطفل العضوي ، وفي نموه البيولوجي والاجتماعي تحديداً. إن قانون تلاقي المعطيات الداخلية والخارجية، كما يدعوه العالم شتيرن، ينطبق بالكامل على نمو الطفل الثقافي أيضاً. وهنا، وفي درجة معينة من النمو الداخلي للعضوية، يغدو ممكنا استيعاب هذا الأسلوب الثقافي أو ذاك،وهنا، تحتاج العضوية المهيأة داخلياً، بالتأكيد،إلى تأثير معين للوسط، كي يتحقق مثل هذا النمو.فالطفل في مرحلة معينة من نموه العضوي، يستوعب الكلام،وفي مرحلة أخرى يستحوذ على النظام العشري.

بيد أن نسبة هذين العاملين في نموذج النمو هذا  متغيرة بصورة جوهرية. رغم أن الدور النشيط هنا أيضاً، يقع على عاتق العضوية التي تستوعب وسائل السلوك الثقافي التي يقدمها الوسط، لكن النضج العضوي يلعب دور الشرط أكثر من دور محرك عملية النمو الثقافي،لأن  بنية هذه العملية محددة من الخارج. وقد طرقت غالبية الدراسات حتى الآن هذه المسألة من جانب واحد. وعلى سبيل المثال، لدينا كثيرمن الدراسات المكرسة للكشف عن كيفية اشتراط النضج البيولوجي للطفل الاستيعاب التدريجي للكلام، لكن مسألة  التأثير الراجع للكلام على نمو التفكير لم تدرس إلا قليلاً جداً. إن جميع وسائط السلوك الثقافي اجتماعية بطبيعتها.

إن الطفل الذي استوعب اللغة الروسية أو اللغة الانكليزية، والطفل الذي استوعب لغة قبيلته البدائية يتقنانها تبعاً للوسط الذي يحدث فيه نموهما بمنظومتي تفكير مختلفتين تماماً. وإذا ما كان الوضع في منطقة ما، حيث سلوك الفرد هو وظيفة سلوك الوسط الاجتماعي الذي ينتمي إليه، ذات معنى كامل، فإن هذا في مجال النمو الثقافي للطفل بالتحديد. وهذا النمو يبدو وكأنه يأتي من الخارج .وهو يمكن أن يتحدد على أنه نمو خارجي أكثر منه نمو داخلي endo.وهو يعد وظيفة خبرة الطفل الاجتماعية- الثقافية.

والمهمة الثالثة والأخيرة في دراسات نمو الطفل الثقافي هي الكشف عن المنشأ السيكولوجي psychogenesisلأشكال السلوك الثقافية. وسنرسم بصورة موجزة عامة، مخطط سيرورة النمو هذه كما ظهرت في دراساتنا التجريبية. وسنسعى لإظهار أن النمو الثقافي للطفل يمر، إذا ما صدقنا الظروف الصناعية للتجربة، في أربعة مراحل رئيسة ،تحل الواحدة محل الأخرى بصورة متتابعة، وتنشأ الواحدة بعد الأخرى.

يمكننا تسمية المرحلة الأولى بمرحلة السلوك البدائي أو السيكولوجية البدائية. ويظهر أثرها في التجربة، في أن الطفل الأصغر سناً عادة، يحاول، وفقاً لدرجة اهتمامه وانتباهه، حفظ المادة المطروحة عليه  بطريقة طبيعية أو بدائية. وتُحدد درجة انتباهه ودرجة ذاكرته الفردية، ودرجة اهتمامه  بقدر احتفاظه وتذكره. وعادة، تقود الصعوبات التي يلقاها الطفل في طريقه، إلى المرحلة الثانية.

ويحدث هذا في تجربتنا على النحو التالي .إما أن "يكتشف" الطفل بنفسه أسلوب التذكر التقني أو نمد يد المساعدة للطفل الذي لا يتمكن من حل المسألة بقدرات ذاكرته الطبيعية. حيث نضع أمام الطفل،على سبيل المثال، لوحات مرسومة وننتقي الكلمات لحفظها ، بحيث ترتبط هذه الكلمات بأي ارتباط طبيعي بالرسومات. يصغي الطفل إلى الكلمة، ويتأمل اللوحة، ثم يكرر بسهولة، كامل الكلمات لأن الرسومات تذكره، دون قصد منه، بالكلمات التي أصغى إليها وسمعها منذ لحظات .

يدرك الطفل بسرعة عادة، الطريقة التي عرضناها عليه،ويتصرف على النحو السليم، دون أن يعرف عادة، كيف ساعدته الرسومات على تذكر الكلمات.وعندما ُيعرض عليه،من جديد، عدد من الكلمات ، يضع  بمبادرته هذه المرة، الرسومات بالقرب منه، وينظر إليها ثانية، ونظراً لانعدام الارتباط هذه المرة، ولا يعرف الطفل كيفية استخدام الرسم لحفظ الكلمة المطلوبة، ولهذا فأثناء تكراره، وبالنظر إلى اللوحة، فإنه لا يكرر الكلمة المطلوبة منه في المسألة بل الكلمة التي تذكره بها اللوحة. هذه المرحلة نسميها عادة مرحلة " السيكولوجية الساذجة" تشبهاً بالباحثين الألمان الذين يدعون سلوك القرود والأطفال عند استخدام الأدوات ب"الفيزياء الساذجة". إن استخدام الأطفال لأبسط الأدوات يتطلب توفر خبرة فيزيائية بسيطة معينة في أبسط الخصائص الفيزيائية لأجسامهم ولتلك الأغراض والأدوات التي يتعاملون معها. وكثيراً ما تفشل هذه التجربة، وعندئذ تقود " الفيزياء الساذجة" القرد أو الطفل إلى الإخفاق.

ونرى شيئاً مشابهاًً في تجربتنا أيضاً، عندما أدرك الطفل الارتباط الخارجي بين استخدام اللوحات والرسومات وبين حفظ الكلمات. غير أن " السيكولوجية الساذجة"،أي الخبرة الساذجة المتراكمة لديه بخصوص عملياته الخاصة بالتذكر، لا تزال محدودة جدا، كي يتمكن الطفل من استخدام اللوحة  بصورة متكافئة، كعلامة أو وسيلة للتذكر والحفظ. وتماماً كما هو الأمر في التفكير السحري للطفل البدائي، ينظر إلى ارتباط الأفكار على أنه ارتباط الأشياء، كذلك هنا ينظر إلى ارتباط الأشياء عند الطفل على أنه ارتباط الأفكار. وإذا ما كان التفكير السحري هناك مشروطاً بنقص المعرفة بقوانين الطبيعة، فإنه مشروط هنا بنقص المعرفة بسيكولوجيته الخاصة.

هذه المرحلة الثانية تلعب عادة دورا انتقالياً.وينتقل الطفل عادة، منها بسرعة في التجربة إلى المرحلة الثالثة، التي يمكن تسميتها بمرحلة الأسلوب الثقافي الخارجي. وبعد عدد من المحاولات، يكتشف الطفل عادة، جوهر المسألة إذا ما كانت خبرته السيكولوجية كبيرة إلى حد كاف، ويتعلم الاستخدام الصحيح للبطاقة. ويستبدل في هذه المرحلة عمليات التذكر بنشاط خارجي مركب .وعندما يحين دوره، يبحث بين العدد الكبير من اللوحات (الرسومات) الموجودة أمامه تلك اللوحة التي تبدو له الأكثر ارتباطاً بالكلمة المطروحة.وخلال ذلك، يحاول أولاً استخدام الارتباط الطبيعي القائم بين اللوحة والكلمة، ومن ثم ينتقل بسرعة إلى تأسيس وتشكيل ارتباطات جديدة.

بيد أن هذه المرحلة الثالثة أيضاً، لا تستمر طويلاً في التجربة وُتستبدل بالمرحلة الرابعة،التي تنشأ مباشرة من المرحلة الثالثة.إن النشاط الخارجي للطفل عند التذكر بمساعدة العلامة(الدلالة) ينتقل إلى نشاط داخلي. فالطريقة الخارجية كأنها تدور وتتحول إلى طريقة داخلية. ويمكن ملاحظة هذا بأسهل شكل، عندما يكون على الطفل حفظ الكلمات المطلوبة منه، باستخدام اللوحات المرسومة الموضوعة في ترتيب معين. بعد عدة مرات،يحفظ الطفل عادة، عن ظهر قلب ،اللوحات نفسها، ويستغني عن اللجوء إليها. فهو يربط الآن الكلمة المعطاة باسم هذه اللوحة التي أصبح يعرف ترتيبها وموضعها.

مثل هذا "التدوير الكامل" يرتكز إلى  أن الحوافز الخارجية يتم استبدالها بدوافع داخلية. إن اللوحة التقنية التذكرية الموضوعة أمام الطفل قد أصبحت مخططه الداخلي.وإلى جانب طريقة التدوير هذه، نلاحظ عدة نماذج أخرى من الانتقال من المرحلة الثالثة إلى المرحلة الرابعة، وسنذكر منها  نموذجين رئيسين.

الأول منهما يمكن تسميته بالتدوير وفق نموذج الدرزة.فمثل الدرزة التي تربط  جزأين من نسيج عضوي، سرعان ما تؤدي إلى نشوء قطعة نسيج واحدة، بحيث أن الدرزة ذاتها تصبح غير ضرورية، بصورة مشابهة، يحدث انطفاء العلامة التي تم بواسطتها إجراء هذه العملية السيكولوجية أو تلك.

وأسهل شكل لمراقبة هذا أثناء الاستجابات المركبة لخيار الطفل، حيث ُيربط كل مثير من المثيرات المطروحة بالحركة المناسبة له  بمساعدة العلامة المساعدة، وكمثال اللوحة ذاتها. وبعد عدد من التكرارات تصبح العلامة غير ضرورية، ويحدث المثير الاستجابة المطلوبة مباشرة. وقد أثبتت أبحاثنا،من هذه الناحية، بشكل كامل، ما كان  قد اكتشفه ليمان حيث أثبت أنه أثناء استجابة الخيار المركبة  ُتدخل في البداية، بين المثير والاستجابة، تسميات أو أية وسائط اقترانية أخرى.وبعد التدريب تسقط هذه الأجزاء الوسيطة، وتنتقل الاستجابة إلى صيغة حسية بسيطة ومن ثم تنتقل إلى صيغة حركية بسيطة.وقد تناقص زمن الاستجابة لدى ليبمان خلال ذلك من 300 إلى 240 و140 ثانية. ونضيف إلى هذا أن الظاهرة نفسها، ولكن بشكل مختصر، لاحظها الباحثون في عملية الاستجابة البسيطة التي تنقص فترتها الزمنية مع التدريب، كما أظهر ذلك العالم فوندت، إلى زمن الاستجابة البسيطة.

أخيراً، كان النموذج الثاني لانتقال المرحلة الثالثة إلى المرحلة الرابعة أو تدوير الأسلوب الخارجي إلى الداخل، على النحو التالي. بعد أن يستوعب الطفل بنية أي أسلوب خارجي، يبني لاحقاً العمليات الداخلية حسب هذا النموذج. ويبدأ على الفور باللجوء إلى المخططات الداخلية، كما يبدأ باستخدام تذكره ومعارفه السابقة على شكل علامة وما شابه ذلك.في هذه الحالة، ُيصاب الباحث بالذهول كيف أن المسألة التي تم حلها يوماً ما ،تقود إلى الحل الصحيح في جميع المواقف المشابهة رغم الشروط الخارجية المتغيرة بشكل عميق. وهنا، تخطر في ذهن المرء، بصورة طبيعية، تلك التحولات التي لاحظها كيلر لدى القرد، الذي حل المسألة المطروحة أمامه  بشكل صحيح .

إن هذه المراحل الأربعة التي رسمناها بصورة تخطيطية، تعد المخطط المفترض الأول فقط للطريق الذي  يسير عليه نمو السلوك الثقافي. ولكن، بودنا الإشارة إلى أن الطريق الذي يرسمه هذا المخطط يتطابق مع بعض المعطيات الموجودة في الأدبيات النفسية حول هذا الموضوع. وسنورد ثلاثة أمثلة تكشف بصورة عامة، التطابق مع هذا المخطط.

المثال الأول - هو نمو العمليات الحسابية عند الطفل. يشكل المرحلة الأولى الحساب الطبيعي عند الطفل،أي كل تعامله مع الكميات والأعداد قبل تعلمه الحساب. ويندرج هنا، إدراكه المباشر للكميات والأعداد، ومقارنة الكميات الكبيرة والصغيرة ،والتعرف على مجموعة عددية ما،والتوزيع إلى قطعة قطعة، حيث يجب التقسيم وما شابه ذلك.

أما المرحلة التالية من " السيكولوجية الساذجة"، فهي تلك المرحلة التي تلاحظ عند جميع الأطفال،عندما يقلد الطفل، الذي يعرف أساليب العد الخارجية، الكبار ويكرر- 1،2،3 ، عندما يريد حساب كمية ما، دون أن يعرف إطلاقاً، كيف يمكن إجراء الحساب بمساعدة الأعداد. وفي هذه المرحلة بالذات، تقع الفتاة، التي وصفها شتيرن، التي أجابت بناء على طلبه لحساب عدد أصابع يديها، بأنها تعرف حساب أصابعها فقط. والمرحلة الثالثة هي مرحلة الحساب بالأصابع،أما المرحلة الرابعة فهي الحساب بالذهن، حيث لا تعود هناك حاجة للأصابع.

وبالسهولة نفسها يحدث تطور الذاكرة في مرحلة الطفولة وفق هذا المخطط. وتتطابق النماذج الثلاثة التي رسمها العالم ميمان : الميكانيكي، والتقني التذكري الصوري والمنطقي(مرحلة ما قبل المدرسة، المرحلة المدرسية، مرحلة الرشد)، بوضوح، مع المراحل الأولى والثالثة والرابعة من خطتنا. ويحاول ميمان نفسه في مكان آخر، إظهار أن هذه النماذج الثلاثة تشكل سلسلة تولدية المنشأgenetic، ينتقل فيها كل نموذج إلى نموذج آخر.ومن وجهة النظر هذه، تعد الذاكرة المنطقية للإنسان الراشد ذاكرة تقنية مصورة " مُستدارة إلى الداخل". ولو صدقت هذه الفرضيات بأي درجة ما، لحصلنا على إثبات جديد لمدى أهمية استخدام وجهة النظر التاريخية في مقاربة دراسة وظائف السلوك العليا.على أي حال، ثمة ظرف هام قوي الحجة بصورة استثنائية ، لصالح هذه الفرضية. وهو بادئ ذي بدء، واقع أن الذاكرة الكلامية،أي حفظ أي شيء في كلمات، يعد ذاكرة تقنية مصورة.ونذكر هنا،أن العالم كومبيري كان قد عرف اللغة بأنها أداة تقنية مصورة.وأظهر ميمان بحق، أن للكلمات بالنسبة لذاكرتنا، وظيفة مزدوجة. ويمكنها أن تبرز إما بحد ذاتها ،باعتبارها مادة الذاكرة، أو بصفة دلالة، يحدث التذكر والحفظ بموجبها.

وتجدر الإشارة إلى الارتباط الذي أثبته العالم بيولر، لتذكر المعنى بحفظ الكلمة، وإلى الدور الهام الذي يؤديه الكلام الداخلي في مسار الحفظ المنطقي، كي يبرز التقارب التوليدي بين الذاكرتين التقنية المصورة والمنطقية بوضوح كامل  من خلال الحلقة الواصلة بينهما للذاكرة الكلامية. أما المرحلة الثانية الغائبة في خطة ميمان، فتمر بسرعة كبيرة في تطور الذاكرة ولهذا تغيب عن الملاحظة.

أخيراً، نشير إلى أن مثل هذه القضية المركزية لتاريخ نمو الطفل الثقافي، كقضية نمو الكلام والتفكير تتفق مع خطتنا. وهذه الخطة، كما نعتقد، تسمح بتلمس مقاربة صحيحة من هذه القضية المعقدة والعويصة إلى حد كبير.فمن المعروف، أن بعض الباحثين يعتبر الكلام والتفكير سيرورتين مختلفتين كلياُ، حيث تشكل إحداهما تعبيراً ولبوساً خارجياً للأخرى. وآخرون،بالعكس، يماثلون بين التفكير والكلام، ويحددون التفكير باعتباره كلاماً دون صوت، مقتفين بذلك أثر ميولر.

فماذا يقول بهذا الخصوص تاريخ النمو الثقافي للطفل؟ إنه يبين أولاً،أن التفكير والكلام، من الناحية التكوينية النشوئية، لهما جذران مختلفان كلياً. وهذا وحده، يجب أن يجعلنا نحذر من وضع التماثل المتسرع بين ما هما مختلفين من الناحية التكوينية. وكما أثبت  البحث، فإن نمو التفكير والكلام يسيران،سواء من حيث النشوء أو من حيث تاريخ التطور، بطريقين مستقلين حتى مرحلة معينة.

إن الجذور ماقبل العقلية للكلام، من حيث تاريخ النشوء، كلغة الطيور والحيوانات، كانت معروفة منذ فترة طويلة جداً.وقد استطاع العالم كيلر تحديد الجذور ما قبل الكلامية للعقل من حيث تاريخ النشوء.تماماً كما أن الجذور ما قبل العقلية للكلام، من حيث النشوء والتكوين، كصراخ الطفل ولعثمته، كانت معروفة أيضاً منذ القديم. كما تمكن كيلر وبيولر وآخرون من إثبات جذور العقل ما قبل الكلامية في نمو الطفل. وقد اقترح بيلور تسمية هذه المرحلة من البروز الأول للأفعال العقلية عند الطفل، السابقة لنشوء الكلام، بالعمر الشبيه بالشمبانزي.

إن استقلالية العقل عن الكلام هي الظاهرة الأهم في السلوك العقلاني للقردة والطفل.وهذه الظاهرة بالذات هي التي دفعت بيولر إلى استنتاج أن السلوك العقلاني في صيغة" التفكير الأداتي"، يسبق نشوء الكلام. وفي مرحلة معينة يلتقي اتجاها النمو ويتقاطعان. وقد دعا شتيرن هذه الفترة في نمو الطفل إنجازاً عظيماً يحققه الطفل في حياته. وهي بالذات تفتتح " الوظيفة الأداتية" للكلمة.إنها تفتتح واقعة أن " كل شيء له اسمه".وهذا المنعطف في نمو الطفل يؤثر موضوعياً في أن الطفل يبدأ بتوسيع قاموسه بنشاط، متسائلاً عن اسم كل شيء. ويشير بيولر ومن بعده كوفكا، إلى أنه من الناحية السيكولوجية، ثمة موازاة كاملة بين اكتشاف الطفل هذا وبين اكتشافات القردة.فالأهمية الوظيفية للكلمة، التي يكتشفها الطفل تشبه الأهمية الوظيفية للعصا التي يكتشفها القرد.ويقول كوفكا إن الكلمة تدخل في بنية الشيء مثلما تدخل العصا في موقف " السعي للحصول على الثمار".

إن المرحلة التالية الأهم في نمو الطفل الثقافي هي انتقال الكلام الخارجي إلى كلام داخلي. فمتى وكيف تحدث هذه العملية الأهم في نمو الكلام الداخلي؟ إن دراسات بياجيه لكلام الطفل المتمركز حول الذات تسمح بإعطاء جواب عن هذا السؤال، كما نعتقد .فقد أظهر بياجيه أن الكلام يغدو داخلياً من الناحية السيكولوجية قبل أن يصبح داخلياً من الناحية الفيزيولوجية. وكلام الطفل المتمركز حول الذات يعد كلاماً داخلياً بوظيفته الداخلية( إنه كلام للذات) وخارجياً من حيث شكله. وهي  صيغة انتقالية من الكلام الخارجي إلى الكلام الداخلي، وفي هذا تكمن أهميته الكبيرة للدراسة النشوئية التكوينية. وتهبط نسبة الكلام المتمركز حول الذات (من ,50 إلى,250) في حدود السن المدرسي. وهذا يشير إلى أنه في هذه المرحلة بالذات، يحدث انتقال الكلام الخارجي إلى كلام داخلي.

ليس من الصعوبة بمكان، ملاحظة أن المراحل الرئيسة الثلاثة في نمو التفكير والكلام، كما رسمناها وحددناها، تلبي بشكل كامل المراحل الرئيسة الثلاثة للنمو الثقافي، كما تتجلى بصورة متتابعة في التجربة.فالتفكير ما قبل الكلامي يوافق في هذا المخطط ، المرحلة الأولى من السلوك الطبيعي أو البدائي .وكما أشار بيولر وكوفكا،ف" أعظم اكتشاف في حياة الطفل" يشكل مقارنة كاملة مع اختراع الأداة، وبالتالي، فهو يطابق المرحلة الثالثة من مخططنا. أخيراً، إن الانتقال من الكلام الخارجي إلى الكلام الداخلي، والتمركز حول الذات في كلام الأطفال يشكل انتقالاً من المرحلة الثالثة إلى المرحلة الرابعة، يعني تحول النشاط الخارجي إلى نشاط داخلي.

 

5- الطريقة

إن خصوصية النمو الثقافي للطفل تتطلب استخدام طريقة بحث مناسبة. وهذه الطريقة كان من الممكن تسميتها اصطلاحاً، طريقة "أداتية"، نظراً لأنها تقوم على الكشف عن " الوظيفة الأداتية" للدلالات الثقافية في السلوك وتطوره .

ومن حيث  الدراسة التجريبية، ترتكز هذه الطريقة الوظيفية ذات المثيرين، وينحصر جوهرها بتنظيم سلوك الطفل بمساعدة مجموعتين من المثيرات، لكل منهما " أهمية وظيفية" مختلفة في السلوك.والشرط الإلزامي خلال ذلك، لحل المسألة المطروحة أمام الطفل هي " الاستخدام الأداتي" لمجموعة من المثيرات،أي استخدامها  بصفة وسيلة مساعدة لتنفيذ هذه العملية السيكولوجية أو تلك . وثمة أساس للاعتقاد، بأن اكتشاف واستخدام هذه الدلالات، بصفة وسائل مساعدة،عند حل مسألة من المسائل المطروحة على الطفل، يشكلان من وجهة النظر السيكولوجية، بنية للسلوك، شبيهة باكتشاف واستخدام هذه الأدوات.

ويجدر أيضاً،التمييز،داخل العلاقة العامة المثير- الاستجابة، الكامنة في أساس الطريقة العادية للتجربة السيكولوجية،من وجهة نظر الأفكار المطوّرة هنا، وظيفة مزدوجة، يقوم بها المثير بالنسبة للسلوك. فالمثير يمكنه أن يؤدي، في حالة، دور الموضوع الموجه له فعل السلوك، الذي يحل هذه المسألة أو تلك المطروحة أمام الطفل ( حفظ، مقارنة،اختيار، تقييم، تقدير شيء ما)، وفي حالة أخرى، يمكنه أداء دور الوسيلة التي نوجه ونحقق بواسطتها العمليات السيكولوجية الضرورية لحل المسألة(الحفظ،المقارنة، الاختيار وما شابه ذلك).وفي كلتا الحالتين، تكون العلاقة الوظيفية بين فعل السلوك والمثير مختلفة جوهرياً. في كلتا الحالتين، يحدد المثير ويشترط وينظم سلوكنا بطريقة مختلفة تماماً، وبطريقة متميزة تماماً. ويعد تواجد المثيرات من كلا الحالتين في آن واحد، حيث يلعب كل منها دوراً مغايراً نوعياً ووظيفياً، الخاصة المميزة للموقف السيكولوجي المصنوع في تجاربنا.

تقول الفرضية الرئيسة، الكامنة في أساس هذه الطريقة، والمتجلية بشكلها الأعم: إن الطفل في السيطرة على نفسه (على سلوكه) يسير بالطريق نفسه كما في السيطرة على الطبيعة الخارجية،أي من الخارج.يسيطر الإنسان على نفسه كإحدى قوى الطبيعة، من الخارج- بواسطة تقنية  ثقافية خاصة من الدلالات. ويمكن لمبدأ فرنسيس بيكون حول اليد والعقل أن يشكل شعاراً لجميع الدراسات المشابهة :

Nec manus nuda. Nec intellctus ibi permis sus multum valet; instumentis et auxiliis res perfficitur(" ليس لليد العارية، وليس للعقل الممثل بحد ذاته من قوة كبيرة؛ فالعمل يتحقق بالأدوات").

إن هذه الطريقة، من حيث جوهرها، تعد طريقة نشوئية- تاريخية.وهي تدخل في الدراسة وجهة النظر التاريخية:" لا يمكن للسلوك أن يكون مفهوماً إلا من حيث هو تاريخ السلوك" (بلونسكي). وهذا المبدأ يعد نقطة انطلاق للطريقة كلها.

يمكن استخدام هذه الطريقة في مجال: أ) تحليل مكونات الأسلوب الثقافي للسلوك، ب) تحليل بنية هذا الأسلوب ككل وكوحدة وظيفية لجميع العمليات الداخلة في مكوناته، ج) تحليل المنشأ النفسي للسلوك الثقافي للطفل. وهذه الطريقة ليست مجرد مفتاح لفهم أشكال سلوك الطفل الناشئة في عملية النمو الثقافي، بل وأيضاً طريقة لسيطرته العملية عليها في التربية والتعليم المدرسي.

ترتكز هذه الطريقة كأساس، على طرائق العلوم الطبيعية في دراسة السلوك، وتحديداً، على طريقة المنعكسات الشرطية. وتكمن خاصيتها المتميزة في دراسة بنى السلوك الوظيفية المعقدة وقوانينها المميزة. إن الموضوعية هي التي تجعل هذه الطريقة قريبة من طرق العلوم الطبيعية في دراسة السلوك.وهي تستخدم في الدراسة وسائط موضوعية للتجربة السيكولوجية. ففي دراستها لوظائف السلوك العليا، المتشكلة من عمليات داخلية معقدة، تحاول هذه الطريقة الاستثارة التجريبية لعملية نشوء أشكال السلوك العليا ذاتها، بدلاً من دراسة الوظيفة القائمة في شكلها المتطور. وتكون مناسبة للدراسة بشكل خاص خلال ذلك المرحلة الثالثة- دراسة الأسلوب الثقافي الخارجي للسلوك .فبربطنا النشاط الداخلي المعقد بالنشط الخارجي ،وإرغامنا الطفل،على سبيل المثال،أثناء الحفظ ،على اختيار وتوزيع البطاقات، وتحريك وتوزيع الصور،أثناء تشكيل المفاهيم، وغيرها، نخلق بذلك مجموعة موضوعية خارجية من الاستجابات، مرتبطة وظيفياً بالنشاط الداخلي، ومشكّلة نقطة انطلاق للدراسة الموضوعية. ونتصرف نحن خلال ذلك- على سبيل المقارنة- يمكن أن  ينجح ذلك الذي أراد تتبع الطريق الذي تجتازه السمكة إلى العمق، من تلك النقطة التي تغطس فيها في الماء إلى تلك النقطة التي تظهر فيها من جديد على السطح. نحن نرمي عروة الحبل للسمكة،وبحركة الطرف الآخر من الحبل الذي نمسكه بيدنا، نسعى إلى استعادة منحنى هذا الطريق.وفي تجاربنا نسعى دوماً للامساك بأيدينا بالخيط الخارجي من هذه العملية الداخلية.

وكأمثلة على هذه الطريقة ، يمكن ذكر الدراسات التجريبية التي أجراها المؤلف وبمبادرته الخاصة للذاكرة، والحساب، ونشوء المفاهيم ووظائف السلوك العليا الأخرى عند الأطفال. وسننشر هذه الدراسات في كتاب خاص، وهنا قدمنا لمحة  موجزة عن مسألة النمو الثقافي للطفل.

 

 دراسات أخرى للمؤلف  حول الموضوع : ( باللغة الروسية)

-         قضية النمو الثقافي للطفل

-         أسباب أزمة علم النفس

-         طريقة البحث المنعكس الشرطي والسيكولوجي .

 

 

 

 

قراءة 3025 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 04 شباط/فبراير 2015 18:06

1 تعليق

  • Katherine   Katherine السبت, 22 نيسان/أبريل 2017 03:15   تعليق

    Hi there friends, how is the whole thing, and what you want to say about this piece of writing,
    in my view its really remarkable for me.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

- (*) حقول مطلوبة يجب إدخالها .

- تعليقات القراء هي من أجل إتاحة مساحة للحوار العقلي الحر .

- سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض للأشخاص .

 - التعليقات مسئولية أصحابها أدبيا وقانونيا ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة .


©جميع حقوق الطبع محفوظة لمجلة نقد وتنوير
مجلة فكرية تربوية محكمة