الأحد, 22 آذار/مارس 2015 09:14

النخب العربية: نخب التخلف أم تخلف النخب؟ - علي أسعد وطفة

قيم الموضوع
(0 أصوات)

النخب العربية: نخب التخلف أم تخلف النخب؟

علي أسعد وطفة 

 

 

تعيش النخب العربية أزمة أخلاقية ووجودية لا مثيل لها في تاريخ الحياة السياسية والثقافية في العالم العربي. وقد تجلى هذا الواقع المتأزم للنخب العربية في خضم "الربيع العربي" وثورة الشباب التي كشفت عن ضعف هذه النخب وزيفها وعجزها وعدم قدرتها على أداء دورها التاريخي في توجيه الحياة الثقافية والسياسية في هذه المرحلة التاريخية الصعبة في تاريخ المجتمعات العربية. وقد بينت الأحداث الجسام أن هذه النخب العربية متخلفة في بنيتها، وطبيعتها، ويتجلى تخلفها هذا في انتهازيتها، وتذبذبها وازدوادجيتها وتسلطها، وعجزها الكامل عن ممارسة اي نوع من الفعالية التاريخية في زمن الثورات والتغيرات والانفجارات التاريخية.

يقصد بالنخب المتخلفة (تخلف النخب) هذه النخب التي لم تستطع أن تواكب الواقع الاجتماعي في بلدانها، ولم تستطع أن تتجاوب مع متطلبات ومقتضيات النهوض الحضاري لشعوبها، ومثل هذه النخب موجودة في مختلف أرجاء المعمورة في الدول المتقدمة كما هو الحال في الدول المتخلفة على أحد سواء.

ونعني بـ "نخب التخلف" هذه النخب التي تكون متخلفة بطبيعتها وجوهرها، وهي نتاج طبيعي لأوضاع التخلف في المجتمعات القاصرة المتخلفة، وهذا يعني أن النخب في المجتمعات المتخلفة غالبا ما تكون نتاجا للتخلف وجوهرا له في الآن الواحد ومثل هذه النخب موجودة حكما في البلدان المتخلفة.

ولو انطلقنا من هذا التصور في رصد واقع النخب العربية لوجدنا أن النخب تتصف بجوهرية التخلف وهذا يعني أنه يمكن لنا أن نصفها بـ " نخب التخلف" لأن التخلف صميمي في جوهرها ومظهرها على حدّ سواء. وهي في أفضل أحوالها كانت وما زالت أضعف من أن تكون قادرة على التجاوب مع إيقاعات العصر الجديد والاستجابة لمتطلبات الجماهير والقضايا المصيرية والوجودية للأمة في حاضرها ومستقبلها.

لا يحتاج الباحث إلى كثير من التأمل للتعرف على الهوية الاستبدادية للنُّخب العربية في مختلف تجلياتها السياسية والثقافية والدينية والإعلامية، وذلك عندما يتم النظر إلى هذه النُّخب من منظور الواقع الاجتماعي المتخلف الذي تعيشه المنطقة العربية بصورة عامة. ولا يخفى على أحد مهما بلغ مستواه المعرفي أن المنطقة العربية محكومة بأنظمة سياسية استبدادية واضحة المعالم منذ عهد الاستقلال في بداية القرن الماضي.

فالنخب العسكرية هي التي تحكم البلدان العربية بالحديد والنار. وضمن مركزية الاستبداد السياسي واستراتيجياته فإن النُّخب الثقافية والإعلامية والدينية تدور في فلك النخبة السياسية الحاكمة وتعمل على تعزيز وجودها وإعادة انتاجها، وإبداع أيديلوجيا التمجيد بحضورها وقيمها وضرورة المنافحة عنها وعن وجودها.

وقد عملت الحكومات العسكرية الاستبدادية على تفريغ النُّخب الاجتماعية والسياسية والثقافية من محتواها الإنساني والتنموي لتجعلها طاقة استبداد فكري وسياسي وإعلامي تساند كل أشكال الاستبداد والاستعباد التي تشكل السمة الأساسية للنظام السياسي والاجتماعي القائم.

لقد كشفت" ثورات الربيع العربي " الستار عن وضعية السقوط التاريخي الكبير للنخب العربية في أي صورة من صورها في مختلف تجلياتها وتعيّناتها. وليس غريبا هذا السقوط إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه النُّخب قد تشكلت في أحضان أنظمة سياسية استبدادية على مدى نصف قرن ونيّف، وأن هذه النُّخب قد رضعت من حليب الاستبداد وعاشت على فتاته فأخذ صورتها بوصفها نخبا هجينة ضعيفة هشة غير قادرة على أن تكون في مستوى الحركة التاريحية للشعوب في المنطقة العربية. إذ سرعان ما تساقطت وتهافتت هذه النُّخب وانحدرت إلى الدرك الأسفل من معاني القيم والوجود في مختلف المواقف الوجودية والمصيرية لشعوبها. وضمن هذا التصور يمكن القول أن النُّخب العربية فقدت كل مقومات النُّخب القادرة على توجيه الحياة السياسية نحو الأفضل وممارسة دورها النقدي التاريخي في توجيه الحياة توجيها إنسانيا أفضل.

لقد اقتصر دور النُّخب الثقافية العربية من الشعراء، والكتاب، والمفكرين، وأساتذة الجامعات، والنقابيون، ورجال الدين، على تمجيد أنظمة الاستبداد، فعملوا على إنتاج التصورات الأيديولوجية التي تخدم استبداد هذه الأنظمة السياسية وترفع من شأنها وتؤصل استبدادها. فكان رجال الدين والفن والثقافة مجرد أبواق هجينة يوظفها النظام السياسي في خدمة مشاريعه الاستبدادية ونزواته المرعبة في مزيد من الفساد والتسلط والعبثية.

لقد شاهد المواطن بأم عينه تقلب المثقفين ورجال الدين في مواقفهم من الأنظمة السياسية القائمة، فمع سقوط نظام حسني مبارك تبرأت النُّخب المصرية الثقافية والدينية من هذا النظام، وتحركت في موجة التأييد للنظام الإخواني الجديد برئاسة محمد مرسي، ثم عادت من جديد بعد الانقلاب لتأييد النظام العسكري القديم عينه الذي كان يحكم البلاد، ولكن هذه المرة تحت راية السيسي الزعيم الجديد للبلاد، وكأن البلاد لم تتغير وفي حركتها التاريخية لم تتبدل وبقيت النُّخب على ما كانت عليه من تبعية وهامشية وارتدت إلى دورها التبريري يستوي في ذلك أن يكون النظام إسلاميا أو ماركسيا أو عسكريا فالبلاد واحدة والرب واحد والدور لم يتغير وبقي يراوح رقصا على أنغام الاستبداد. ويمكن ملاحظة هذا الوضعية نفسها للنخب في لبنان وسوريا وفي تونس واليمن حيث تحول من الولاء الجارف لاستبداد النظام إلى الولاء البغيض للطائفية والعنصرية والتفكيك. وهذا كله يعني أن هذه النُّخب أثبتت بجدارة أنها نخب الاستبداد والتخلف في بنيتها ووظيفتها وعوامل وجودها.

فالنخب الثقافية والدينية والإعلامية تشكلت في أحضان الأنظمة القائمة واستطاعت الأنظمة القائمة أن تستلبها وتوظفها في توليد الأيديولوجيات، والأفكار والتصورات التي تعزز من حضور هذه الأنظمة السياسية القائمة. وأصبحت هذه النُّخب في الغالب نوعا من البرباغاندا الإعلامية، والأيديولوجية للأنظمة السياسية القائمة. واستطاعت هذه النُّخب أن تفرض نفسه عبر نصف قرن من الزمن بوصفها نخبا رديفة للسلطة تنافخ عنها وتبرر وجودها.

وقد حملت هذه النُّخب سمات المجتمع المتخلف الذي نشأت فيه تماهيا مع طبيعة التسلط السياسي والاجتماعي القائم، فتحولت إلى نخب رثة ضعيفة غير قادرة على الفعل، وبقي دورها في مجال التبرير السياسي والأيديولوجي لأنظمة التسلط الاجتماعي.

وما يحزّ في النفس أن بعضا من كبار المفكرين السوريين مشغولون اليوم بالمناظرات العلمية عن عدد السنة وعدد الشيعة في الشرق الأوسط، وكل يقدم حججه وبراهينه على أن أرقامه وإحصائياته هي الأفضل. واين هي هذه المناظرات من هذه التي شغلت النخب في البلدان الحرة حول القضايا الأكثر أهمية وحيوية في الوجود الإنساني مثل قضايا السلام والحرب والهوية والأنسنة والميتافيزياء والفلسفة والفكر والتاريخ في قضايا الفلك والفيزيا والذرة ودوران الأرض والحياة والوجود وأصل الحياة على الأرض. ما يؤسف أن الغرق في مستنقع الطائفية والمذهبية والغليان العرقي والمذهبي هو ما يشغل النخب العربية اليوم.

وتأتي هذه المهازل نتاجا لفعالية الأنظمة السياسية الاستبدادية في العالم العربي التي عملت منذ بداية عهدها على التحكم في كل شيء ولاسيما في عملية صقل النُّخب على مقياس رغائبها ونزواتها، فوظفت نظام التعليم والابتعاث على مقياس الولاء للاستبداد والفساد، فظهرت نخبة مرعبة من الشعراء، والموسيقيين، ورجال الدين، وحتى أئمة المساجد، والإعلاميين، الذين يصدحون حبا بالحاكم ويتمايلون طربا هوسا به.
فالحاكم الذي صنعهم هو مبتدأ الوجود وخبره به بالنسبة لهم. وبناء على هذا التماهي بين الحاكم ونخبته المصنوعة، لا يكون خطاب هذه النُّخب إلا صدى لسيدها ووليَّ نعمتها، ولايمكن أن يكون أن يتجاوز خطابها أكثر من دائرة التمجيد والتعظيم والتسبيح بحمد الحاكم وفضله على الأمة والشعب ومآثره في التاريخ والمجد، وجوهر خطابهم يكون في إسباغ طابع القداسة على شخصه واسمه وعائلته وعدله وحكمته وتضحياته العظيمة من أجل الشعب والوطن والأمة. 

 

قراءة 24361 مرات آخر تعديل على الأحد, 22 آذار/مارس 2015 09:28

679 تعليقات

  • Williamnit   Williamnit الإثنين, 02 نيسان/أبريل 2018 08:37   تعليق

    can you take 2 cialis pills
    generic cialis online pharmacy
    buy cialis kuala lumpur
    generic cialis online pharmacy
    buy cialis generic
    buy cialis online
    cialis pills for men
    cheap cialis
    buy cialis drugstore

  • Michaelacusa   Michaelacusa الإثنين, 02 نيسان/أبريل 2018 05:21   تعليق

    cheap cialis generic canada
    cheap cialis
    can buy cialis over counter usa
    cheap cialis
    buy generic cialis online
    canadian cialis
    where to buy cialis in usa
    canadian cialis
    cialis mail order pharmacy

  • FbtTeele   FbtTeele الأحد, 01 نيسان/أبريل 2018 16:49   تعليق

    HPV is a sexually transmitted disease. tadalafil citrate cialis 20mg do you need a prescription for cialis [url=http://gocialisgjb.com/]cialis online[/url] While there is no cure for HIV, treatment has come a long way. OK’

  • Rickyblurf   Rickyblurf الخميس, 29 آذار/مارس 2018 19:37   تعليق

    buy viagra at walgreens
    viagra for sale uk
    viagra buy pakistan
    viagra for sale
    viagra sale in sydney
    buy viagra online
    viagra sale tesco
    viagra online
    buy viagra reliable

  • Francisco   Francisco الخميس, 29 آذار/مارس 2018 16:11   تعليق

    new usa online casinos
    online casinos 2016
    casino online gambling
    casino games roulette

  • Ashleigh   Ashleigh الخميس, 29 آذار/مارس 2018 12:37   تعليق

    casino games slots
    top rated free online casino games
    free casino games and poker
    casino online usa

  • JerryNow   JerryNow الأربعاء, 28 آذار/مارس 2018 17:52   تعليق

    cheap cialis in canada
    cialis 20 mg best price
    best discount cialis
    cialis coupon
    buy cialis daily
    200 cialis coupon
    can you buy cialis in dubai
    cialis generico
    cialis tadalafil buy online

  • JamesTet   JamesTet الثلاثاء, 27 آذار/مارس 2018 20:24   تعليق

    order cialis no prescription online
    buy cialis
    cheapest cialis in australia
    buy cialis
    order cialis from mexico
    buy generic cialis online
    cialis pills australia
    cialis generic
    cialis buy us

  • KmaPorgo   KmaPorgo الثلاثاء, 27 آذار/مارس 2018 08:00   تعليق

    [url=https://iceecigarettes.com/]buy viagra on line[/url]
    buy viagra on line buying viagra online
    [url=https://purseInstock.com/]purchase viagra online[/url]
    viagra for sale viagra order
    [url=https://nadinekube.com/]viagra price[/url]
    buy online viagra generic viagra
    OK’

  • Elma   Elma الإثنين, 26 آذار/مارس 2018 23:21   تعليق

    free casino games and poker
    best us casinos online
    casino games free online
    best us casinos online

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

- (*) حقول مطلوبة يجب إدخالها .

- تعليقات القراء هي من أجل إتاحة مساحة للحوار العقلي الحر .

- سيتم حذف التعليقات التي تتسم بالطائفية والعنصرية والتي تتعرض للأشخاص .

 - التعليقات مسئولية أصحابها أدبيا وقانونيا ولا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة .


©جميع حقوق الطبع محفوظة لمجلة نقد وتنوير
مجلة فكرية تربوية محكمة